أحمد كمال: محمود حميدة أسس «ستوديو الممثل» لدعم الفن لا الربح
أحمد كمال يستعيد تجربة محمود حميدة في خدمة السينما المصرية
أعاد الفنان أحمد كمال فتح ملف واحد من المشاريع الثقافية المهمة في تاريخ الوسط الفني المصري، عندما تحدث عن علاقته بالفنان محمود حميدة، مؤكدًا أن الأخير كان صاحب مبادرة مبكرة لتأسيس «ستوديو الممثل» في مصر، بهدف تدريب الممثلين ودعم الصناعة، وليس البحث عن عائد مادي. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأن أحمد كمال نفسه يُعرف أيضًا باهتمامه بورش التمثيل والعمل على إعداد الممثل، إلى جانب مسيرته الطويلة في السينما والدراما المصرية.
الحديث عن هذه التجربة لا ينفصل عن صورة محمود حميدة كأحد الفنانين الذين تجاوز دورهم حدود الوقوف أمام الكاميرا. فإلى جانب مشواره التمثيلي، ارتبط اسمه بمبادرات ثقافية ومهنية سعت إلى تطوير أدوات العاملين في المجال، وفي مقدمتها مشروع التدريب عبر «ستوديو الممثل» ثم إصدار مجلة «الفن السابع» المتخصصة في السينما. وتشير مصادر صحفية وفنية مصرية إلى أن حميدة أنشأ «ستوديو الممثل» عام 1996، مستعينًا بمتخصصين بهدف صقل المواهب الشابة ومواكبة التطور السريع في فنون الأداء وصناعة السينما.
ما هو «ستوديو الممثل» ولماذا يُعد تجربة فارقة؟
خصوصية «ستوديو الممثل» لا ترتبط باسمه فقط، بل بالفكرة التي قام عليها في وقت لم تكن فيه ورش التمثيل منتشرة بالصورة الحالية في السوق المصري. بحسب ما وثقته كتابات صحفية عن مسيرة محمود حميدة، كان المشروع قائمًا على تقديم تدريب احترافي للممثلين بأسعار ميسرة، مع الاستعانة بأصحاب خبرة، في محاولة لبناء قاعدة أكثر علمية لمهنة تعتمد عادة على المزج بين الموهبة والدراسة والانضباط.
هذا المعنى يفسر لماذا لا تزال التجربة تُذكر حتى الآن بوصفها واحدة من المبادرات التي سبقت زمانها. فقبل الطفرة الكبيرة في الورش الخاصة خلال السنوات الأخيرة، كان الحديث عن إعداد الممثل كمسار منظم لا يزال محدودًا نسبيًا، بينما سعى المشروع إلى ترسيخ فكرة أن الأداء التمثيلي ليس مجرد موهبة خام، بل حرفة تحتاج إلى تدريب مستمر ومناهج واضحة.
ومن هنا تأتي أهمية شهادة أحمد كمال؛ لأنها تصدر عن فنان ومدرب يعرف من الداخل قيمة هذا النوع من المبادرات، ويعي الفارق بين الورشة بوصفها مشروعًا مهنيًا حقيقيًا، وبين استغلال رغبة الشباب في دخول المجال. كما أن سيرة أحمد كمال نفسها تؤكد ارتباطه بالتدريب، إذ تصفه قاعدة بيانات فنية مصرية بأنه ممثل ومدرب مصري في مجال التمثيل ويعقد ورشًا لإعداد الممثل بشكل منتظم.
مجلة «الفن السابع».. امتداد لنفس الفكرة
لم تتوقف مساهمة محمود حميدة عند التدريب العملي، بل امتدت إلى المجال الثقافي والإعلامي السينمائي عبر مجلة «الفن السابع». وتؤكد أكثر من مادة منشورة في الصحافة المصرية أن المجلة صدرت عام 1997، وأنها كانت من أوائل المطبوعات العربية المتخصصة في صناعة السينما، وقدمت ملفات وحوارات ومتابعات تتناول الأفلام وصنّاعها وتقنيات الصناعة نفسها، لا الأخبار الفنية السريعة فقط.
اللافت أن هذا المشروع أيضًا لم يُطرح بمنطق الاستثمار التجاري البحت. تقارير صحفية تناولت مسيرة حميدة أشارت إلى أنه أنفق على المجلة من ماله الخاص، وأن التجربة لم تكن مصدر ربح له، بل على العكس تكبد بسببها خسائر مالية. وهو ما يتسق مع الصورة التي يرسمها أحمد كمال عن تجربة تأسست لخدمة السينما المصرية وتطوير مناخها المهني.
وفي دلالة على استمرار أثر هذا المشروع بعد عقود من انطلاقه، احتفت الدورة الـ45 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في نوفمبر 2024 بكتاب «مختارات من الفن السابع»، وهو إصدار عاد إلى أرشيف المجلة بوصفه مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالسينما. وذكرت التغطية أن المجلة مثلت مساحة لرفع الثقافة السينمائية وبناء جسر بين الجمهور والعاملين في الصناعة.
محمود حميدة.. فنان ومبادر ثقافي
على المستوى المهني، لا يبدو هذا الدور مفاجئًا في مسيرة محمود حميدة، الذي تخرّج في كلية التجارة وبدأ حضوره عبر التليفزيون قبل أن ينطلق سينمائيًا من فيلم «الإمبراطور» عام 1990، ثم يراكم حضورًا بارزًا في أعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة السينما المصرية. كما توثق قواعد البيانات الفنية أنه لم يكتفِ بالتمثيل، بل خاض أيضًا تجارب في الإنتاج والتأليف، وهو ما يفسر انشغاله المستمر ببنية الصناعة نفسها، لا بمسيرته الشخصية فقط.
ومن بين ملامح هذه المسيرة أيضًا إنتاجه لأعمال لافتة، منها «جنة الشياطين» عام 1999، وهو فيلم جمعه بأحمد كمال ضمن طاقم العمل، ما يعكس أن العلاقة بينهما ليست عابرة أو وليدة مناسبة حديثة، بل قائمة على معرفة ممتدة داخل الوسط الفني.
لماذا يعود الحديث عن التجربة الآن؟
العودة إلى «ستوديو الممثل» و«الفن السابع» في هذا التوقيت تكشف حاجة الوسط الفني المصري إلى مراجعة النماذج التي سعت فعلًا لبناء بنية تحتية ثقافية ومهنية للفن. ففي مناخ يتسع يومًا بعد يوم للمنصات الرقمية، والورش المتعددة، والإنتاج السريع، تظل التجارب الجادة هي الأكثر بقاءً، خصوصًا حين يكون هدفها رفع مستوى المهنة لا توظيف بريقها تجاريًا.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن قيمة هذه الشهادة لا تقف عند حدود الحنين إلى زمن مختلف، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن دعم المواهب الجديدة بطريقة مهنية تحترم الفن كصناعة وكمعرفة؟ تجربة محمود حميدة تقدم إجابة مبكرة: التدريب المنظم، والانفتاح على الخبرات، وتوفير فرص تعلم معقولة التكلفة، إلى جانب بناء خطاب نقدي وثقافي يواكب ما يُنتج على الشاشة.
أبرز الحقائق المؤكدة عن التجربة
- «ستوديو الممثل» أُسس عام 1996 بهدف تدريب وصقل المواهب الشابة في مصر.
- مجلة «الفن السابع» صدرت عام 1997 بوصفها مطبوعة متخصصة في السينما وصناعتها.
- التجربتان ارتبطتا بدعم الصناعة والارتقاء بالثقافة السينمائية أكثر من ارتباطهما بتحقيق أرباح.
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أعاد إحياء إرث المجلة عبر كتاب «مختارات من الفن السابع» في نوفمبر 2024.
في النهاية، تبدو شهادة أحمد كمال بمثابة تذكير مهم بأن بعض الأسماء الكبرى في السينما المصرية لم تكتفِ بالنجاح الفردي، بل حاولت أن تترك أثرًا مؤسسيًا يبقى بعد انتهاء الأدوار والأفلام. وفي حالة محمود حميدة، فإن «ستوديو الممثل» و«الفن السابع» يظلان شاهدين على مشروع فني وثقافي أراد أن يمنح المهنة ما تستحقه من جدية واحترام.