الفنانين الخمسه

«أصوات لم تدفن» يلفت الأنظار في مهرجان كلباء المسرحي

عرض إماراتي قصير يطرح أسئلة الحرب والموت

خطف عرض «أصوات لم تدفن» اهتمام متابعي المسرح في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، وهي الدورة التي أقيمت في مدينة كلباء بإمارة الشارقة بين 25 سبتمبر و1 أكتوبر 2026، بتنظيم من دائرة الثقافة في الشارقة. وبالنسبة للقارئ المصري المتابع للحركة المسرحية العربية، فإن هذا النوع من المهرجانات يظل مهماً لأنه يقدم مختبراً عملياً لاكتشاف مخرجين وممثلين شباب، بعيداً عن الأسماء المعتادة والعروض التجارية السريعة.

العرض قُدِّم مساء الأربعاء 30 سبتمبر 2026 على مسرح جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، ضمن الليلة التي ضمت أيضاً مسرحية «ما حدث فعلاً». وحضر الفعاليات أحمد بورحيمة مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة ومدير المهرجان، في استمرار لبرنامج يركز هذا العام على رعاية المواهب وصقل تجارب الهواة في المنطقة الشرقية من دولة الإمارات.

ما قصة «أصوات لم تدفن»؟

ينطلق العمل من معالجة مسرحية مقتبسة عن نص «ثورة الموتى» للكاتب الأميركي إروين شو، وهو اختيار يكشف ميل المهرجان هذا العام إلى الاشتغال على نصوص من مكتبة المسرح العالمي ثم إعادة تقديمها برؤية عربية معاصرة. داخل فضاء المعركة، تتشكل الحكاية حول ثلاث جثث لجنود من عائلة واحدة، لكن لحظة الدفن تقلب المشهد كله حين يستيقظ الموتى ويرفضون العودة إلى قبورهم.

هذه الفكرة تمنح العرض بعداً رمزياً واضحاً: الحرب لا تنتهي بسهولة، والموت نفسه قد يتحول إلى صوت معترض لا يمكن محوه. ومن هنا يأتي عنوان «أصوات لم تدفن» بوصفه مفتاحاً درامياً يربط بين الذاكرة والعنف والاحتجاج. ومع أن مدة العروض المشاركة في المهرجان قصيرة بحكم طبيعته، فإن مثل هذه الفرضية المسرحية تتيح كثافة بصرية وفكرية كبيرة في زمن محدود.

حميد محمد عبدالله ورهان الإخراج

يحمل العرض توقيع المخرج حميد محمد عبدالله، الذي شارك ضمن قائمة المخرجين الـ16 المتأهلين للمنافسة في هذه الدورة من أصل 34 مشروعاً وصلت إلى المرحلة الأخيرة قبل الاختيار النهائي. هذا الرقم يعكس حجم التنافس داخل المهرجان، كما يوضح أن الوصول إلى منصة العرض لم يكن خطوة عابرة، بل نتيجة مسار تدريبي وانتقائي بدأ قبل انطلاق الفعاليات بأسابيع.

وبحسب التغطية الخاصة بالليلة التي شهدت تقديم المسرحية، فإن القراءة النقدية للعمل أشادت بجهد فريقه، ولفتت إلى حساسية المخرج في التعامل مع العناصر البصرية، إلى جانب نجاحه في إعداد النص بصورة تناسب طبيعة المهرجان القائم على العرض القصير المكثف. وفي المسرح تحديداً، كثيراً ما يكون الاختبار الأصعب ليس في الفكرة وحدها، بل في القدرة على ضغطها داخل بناء مختصر من دون فقدان المعنى أو الإيقاع.

ومن زاوية أقرب إلى المتلقي العربي، تبدو قوة العرض في أنه يستدعي موضوعاً إنسانياً واسعاً مثل الحرب، لكن من خلال بناء محدود الشخصيات والفضاء. وهذا النوع من المسرحيات غالباً ما ينجح حين يعتمد على الانضباط في الأداء، وعلى إدارة دقيقة للإضاءة والحركة والإيقاع الصوتي، وهي عناصر تعد أساسية في المسرح التجريبي والقصير على السواء.

ماذا قال النقاد عن العرض؟

الندوة النقدية المصاحبة للعرض شهدت مداخلة من الفنان المسرحي الإماراتي نبيل المازمي، الذي ثمّن جهود فريق العمل، مشيداً بالمعالجة الإخراجية للعناصر البصرية، وبطريقة تكييف النص بحيث يأتي متسقاً مع خصوصية المهرجان. وتكتسب هذه الندوات أهمية خاصة لأنها جزء أصيل من بنية مهرجان كلباء، وليست مجرد نشاط جانبي؛ إذ تعقب العروض جلسات نقاش فني تضع التجارب الشابة أمام تقييم مباشر من باحثين وممارسين مسرحيين.

هذا التقليد النقدي يهم القارئ المصري أيضاً، لأن كثيراً من المهرجانات العربية تعاني أحياناً من الاكتفاء بالعرض من دون بناء حوار حقيقي حوله. أما هنا، فالمهرجان يربط بين الخشبة والنقاش، وبين التجربة والتقويم، بما يسمح للمخرجين والممثلين بتحويل المشاركة إلى فرصة تعلم حقيقية.

سياق المهرجان: كيف وصل العرض إلى الخشبة؟

الدورة الثالثة عشرة من مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة لم تُبنَ فقط على العروض النهائية، بل سبقتها دورة عناصر العرض المسرحي التي نظمتها دائرة الثقافة خلال شهري يوليو وأغسطس 2026. وشملت هذه الدورة ورشاً في السينوغرافيا والتمثيل والإخراج، بإشراف أسماء مسرحية عربية معروفة، من بينها المخرج المصري عصام السيد في ورشة التمثيل، والدكتور جمال ياقوت في ورشة الإخراج.

هذه الخلفية التدريبية تفسر لماذا تبدو كثير من عروض كلباء أقرب إلى مشاريع تخرج مصقولة بعناية، لا مجرد محاولات أولى. فالمهرجان، الذي تأسس في سبتمبر 2012، يقوم أساساً على اكتشاف المواهب المسرحية وتقديمها في بيئة منظمة تسمح بالتجريب، مع الإبقاء على عنصر التنافس من خلال جوائز مخصصة للإخراج والسينوغرافيا والتمثيل، إضافة إلى جوائز يومية للأداء يشارك الجمهور في تحكيمها.

لماذا يهم الخبر جمهور الدراما والسينما في مصر؟

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى أقرب إلى تغطية نشاط مسرحي محلي في الإمارات، لكنه في الحقيقة يرتبط بمشهد أوسع يهم جمهور الدراما والسينما في مصر والعالم العربي. فالمسرح القصير كان دائماً مساحة لتجريب الأفكار التي قد تنتقل لاحقاً إلى السينما أو الدراما التلفزيونية، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو تدريب الممثل. ومن يتابع مسارات عدد من الفنانين العرب يلاحظ أن الخشبة كثيراً ما تكون المعمل الأول قبل الوصول إلى الشاشة.

كما أن اختيار نصوص عالمية وإعادة تقديمها عربياً يفتح نقاشاً مهماً حول كيفية ترجمة القضايا الكبرى مثل الحرب والموت والسلطة إلى لغتنا المسرحية المعاصرة. وهذا بالضبط ما يفعله «أصوات لم تدفن»: لا يكتفي بسرد حكاية عن جنود ومقبرة، بل يحاول تحويل الفكرة إلى سؤال بصري وأخلاقي عن العبث الإنساني، وهو سؤال لا يفقد راهنيته في المنطقة.

محطة لافتة في الدورة 13

بمشاركة 16 عرضاً مسرحياً قصيراً، وضمن برنامج امتد أسبوعاً كاملاً في كلباء، جاء «أصوات لم تدفن» كأحد العروض التي لفتت الانتباه لجرأتها الموضوعية وبنيتها الدرامية المكثفة. وبين رهان النص العالمي، وخصوصية المعالجة المحلية، وإشادة الندوة النقدية بجوانبه البصرية، يثبت العرض أن المسرح القصير لا يعني بالضرورة فكرة صغيرة، بل قد يكون مساحة شديدة التركيز لطرح الأسئلة الكبرى.

وبالنسبة للمشهد الثقافي العربي، تبقى مثل هذه العروض مؤشراً إيجابياً على استمرار الاستثمار في الأجيال الجديدة من المسرحيين، وعلى أن الخشبة العربية لا تزال قادرة على إنتاج تجارب تتعامل مع القضايا الإنسانية الثقيلة بلغة حديثة ومضغوطة. لهذا، فإن اسم حميد محمد عبدالله يستحق المتابعة بعد «أصوات لم تدفن»، لا باعتباره مخرج عرض واحد فقط، بل كواحد من الأصوات التي تحاول بناء حضورها داخل المسرح الإماراتي المعاصر.