إعادة عرض «ولنا في الخيال حب» تعيد سؤال السينما للمحافظات
عرض جديد لفيلم مستقل في الإسماعيلية.. ودلالة أبعد من أمسية واحدة
يعود فيلم «ولنا في الخيال حب» للمخرجة سارة رزيق إلى الواجهة مجددًا مع إدراجه في برنامج نادي سينما الإسماعيلية يوم الأربعاء 23 سبتمبر في تمام الساعة السادسة مساءً، بمقر مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية. الفعالية ينظمها المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح، بينما تتولى الإدارة الفنية للنادي الناقدة السينمائية شاهندة محمد علي، بالتعاون مع المكتبة تحت إدارة أمل رحب. هذه التفاصيل، كما وردت في الإعلان عن الفعالية، تجعل من العرض مناسبة ثقافية واضحة الملامح، لا مجرد إعادة تقديم لفيلم سبق عرضه تجاريًا.
الأهم أن إعادة العرض في محافظة مثل الإسماعيلية تعيد فتح نقاش مصري قديم ومتجدد في آن واحد: أين تعيش الأفلام المستقلة أو مختلفة النبرة بعد انتهاء موسم القاهرة والجيزة التجاري؟ فحين يصل فيلم من هذا النوع إلى جمهور نادٍ سينمائي في محافظة، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمشاهدة عمل فني، بل بامتحان حقيقي لمدى قدرة البنية الثقافية خارج العاصمة على خلق جمهور متابع، ونقاش نقدي، وفرص تداول بديلة.
ما الذي يمثله «ولنا في الخيال حب» داخل المشهد المصري؟
الفيلم هو التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرجة سارة رزيق، ويقوم ببطولته أحمد السعدني ومايان السيد وعمر رزيق، إلى جانب فريدة رجب وسيف حميدة وبسنت أبو باشا، مع موسيقى تصويرية للموسيقار خالد حماد. ووفق ما نُشر عن الفيلم خلال عرضه الأول وعروضه اللاحقة، فهو يتحرك في مساحة تمزج بين الرومانسية والخيال والبعد الموسيقي، مع قصة تدور حول أستاذ جامعي انطوائي، وطالبة شابة، وعلاقة تفتح أسئلة عن الحب والفقد والوحدة.
هذه التركيبة ليست هي السائدة في شباك التذاكر المصري، الذي يميل غالبًا إلى الكوميديا المباشرة أو أفلام الحركة أو الأعمال ذات النجومية الجماهيرية الواضحة. لذلك اكتسب الفيلم أهمية إضافية منذ عرضه العالمي الأول ضمن قسم الاختيار الرسمي خارج المسابقة في الدورة الثامنة من مهرجان الجونة السينمائي، التي أُقيمت بين 16 و24 أكتوبر 2025. بعد ذلك، انتقل إلى دور العرض التجارية في مصر يوم 19 نوفمبر 2025، وهي خطوة تعني أن الفيلم لم يبق حبيس المهرجان، بل خاض اختبار السوق أيضًا.
من الجونة إلى السينمات ثم إلى الأندية.. رحلة تداول تكشف نموذجًا مختلفًا
واحدة من أهم النقاط في قصة الفيلم أن مساره لم يكن خطيًا. بدأ من منصة مهرجانية تمنح الشرعية والاهتمام النقدي، ثم دخل دور العرض، ثم عاد لاحقًا إلى الواجهة عبر المنصات الرقمية، والآن يظهر مجددًا داخل نادي سينما الإسماعيلية. هذا النوع من التداول المتعدد صار ضروريًا لبقاء الأفلام المستقلة أو شبه المستقلة في الذاكرة العامة.
الأرقام المنشورة عن شباك التذاكر تقول إن الفيلم حقق حضورًا ملحوظًا مقارنة بطبيعته؛ إذ تجاوزت إيراداته بعد أسبوع عرض 7.3 ملايين جنيه، ثم تخطى 23 مليون جنيه بعد 18 يومًا، ووصل بعد ثلاثة أسابيع إلى أكثر من 27 مليون جنيه، ثم قارب 35.18 مليون جنيه بعد شهر من طرحه. هذه الحصيلة لا تجعل الفيلم «تجاريًا» بالمعنى التقليدي فقط، لكنها تثبت أن العمل المختلف شكلًا ومزاجًا يمكن أن يجد جمهورًا إذا حظي بترويج مناسب ومسار عرض ممتد.
ولهذا تحديدًا يصبح عرضه في الإسماعيلية مهمًا: لأن الفيلم يأتي هذه المرة بعد أن راكم سمعة مهرجانية وتجارية ونقدية، ما يمنح جمهور المحافظة فرصة مشاهدة عمل جرى اختباره في أكثر من ساحة، بدل أن تظل هذه التجارب حكرًا على جمهور العاصمة أو رواد المهرجانات.
لماذا تعني الإسماعيلية الكثير في هذا النقاش؟
الإسماعيلية ليست مدينة عابرة في تاريخ السينما المصرية. يكفي أنها تحتضن واحدًا من أهم المهرجانات المتخصصة، وهو مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة. لكن المفارقة أن وجود مهرجان عريق لا يعني تلقائيًا وجود دورة مشاهدة منتظمة للأفلام المستقلة طوال العام. هنا تظهر قيمة نوادي السينما، لأنها تمثل البنية الأكثر استدامة بين موسم وآخر.
عرض «ولنا في الخيال حب» في مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية يلفت الانتباه إلى دور الأماكن الثقافية غير التجارية في تشغيل الحياة السينمائية داخل المحافظات. فالمكتبة هنا لا تعمل كمجرد قاعة عرض، بل كمساحة لقاء بين الفيلم والجمهور والنقاش. وهذا جوهري جدًا للأفلام التي تعتمد على التفاعل والتأويل أكثر من اعتمادها على حملة دعائية ضخمة.
كما أن إدارة النادي عبر ناقدة متخصصة مثل شاهندة محمد علي تضيف بعدًا مهمًا؛ لأن القضية ليست فقط إتاحة الشاشة، بل صناعة سياق مشاهدة. الفيلم المستقل أو المختلف يحتاج غالبًا إلى وسيط ثقافي يشرح موقعه داخل المشهد، ويربطه بأسئلة أوسع عن الصناعة والذائقة والتوزيع.
ما الذي يكشفه هذا العرض عن فرص الأفلام المستقلة في المحافظات؟
1) الجمهور موجود.. لكنه يحتاج وصولًا منتظمًا
التجربة المصرية أثبتت مرارًا أن جمهور المحافظات لا يرفض السينما المختلفة، لكنه كثيرًا ما يُحرم منها ببساطة. حين يكون العرض متاحًا، وفي مكان معروف، وضمن نشاط ثقافي منظم، تظهر فرصة حقيقية لخلق تفاعل. نجاح الفيلم سابقًا في المهرجان والسينمات يدعم هذا التصور، لأنه يبرهن أن المشكلة ليست دائمًا في «صعوبة» الفيلم، بل في مسار وصوله إلى الناس.
2) المؤسسات الثقافية هي الحلقة الحاسمة
وجود المركز القومي للسينما في هذه المعادلة ليس تفصيلًا إداريًا. فالمؤسسة الرسمية حين تختار أن تدفع بفيلم مثل هذا إلى محافظة، فهي تمنح إشارة عملية إلى أن التوزيع الثقافي جزء من دورها. وإذا تكرر النموذج في مدن أخرى، يمكن أن تتحول نوادي السينما إلى شبكة عرض موازية، أو على الأقل مكملة، للعرض التجاري.
3) الحياة الثانية للأفلام أهم من الافتتاح الأول
كثير من الأفلام المصرية المختلفة تحصل على اهتمام عند العرض الأول ثم تختفي سريعًا. أما فيلم مثل «ولنا في الخيال حب» فيبدو مثالًا على إمكانية بناء حياة ثانية وثالثة للعمل: مهرجان، ثم سينمات، ثم منصات، ثم نوادٍ سينمائية. هذا المسار أكثر فائدة على المدى الطويل لصناعة تتحدث دائمًا عن أزمة التوزيع.
بين النجوم والتجربة.. لماذا يصلح الفيلم لفتح هذا الملف؟
من عوامل الجاذبية هنا أن الفيلم لا يقف في خانة «السينما النخبوية» الصلبة، ولا يذوب بالكامل في السينما التجارية. وجود أسماء معروفة مثل أحمد السعدني ومايان السيد يمنحه نقطة دخول جماهيرية، بينما تمنحه رؤية سارة رزيق الأولى كصانعة فيلم طويل طابعًا اكتشافيًا. هذا التوازن مهم جدًا إذا كنا نتحدث عن مستقبل الأفلام المستقلة في المحافظات؛ لأن الجمهور غالبًا يحتاج نقطة تعارف أولى، ثم يمكنه بعد ذلك المغامرة مع تجارب أكثر جرأة.
كذلك فإن خلفية الفيلم المرتبطة بعوالم الفنون، والموسيقى، وأكاديمية الفنون، ودار الأوبرا، تجعل منه عملًا يحمل هوية سينمائية واضحة تناسب نقاشات نوادي السينما، حيث لا تكون الحكاية وحدها هي محل الاهتمام، بل أيضًا الشكل، والصورة، والموسيقى، وطريقة بناء الشخصيات.
هل يمكن أن يتحول العرض إلى مؤشر أوسع؟
الإجابة الأقرب للواقع: نعم، ولكن بشروط. عرض واحد لا يكفي للحكم على تحول جذري، لكنه مهم كإشارة. فإذا نجحت التجربة في جذب جمهور جيد، وجرى تكرارها مع أفلام مصرية أخرى ذات طبيعة مشابهة، يمكن الحديث عن نموذج قابل للنمو. المسار الواقعي يبدأ من نقاط بسيطة:
- استمرارية البرمجة بدل الاكتفاء بفعاليات متباعدة.
- اختيار أفلام مصرية حديثة لها صدى نقدي أو جماهيري.
- تنظيم مناقشات بعد العرض لتوسيع علاقة الجمهور بالفيلم.
- التنسيق بين المركز القومي للسينما والمكتبات العامة وقصور الثقافة لخلق شبكة عرض فعلية.
- الاستفادة من الأفلام التي أثبتت قدرتها على الجمع بين الجودة والوصول مثل «ولنا في الخيال حب».
الخلاصة: المحافظات ليست هامشًا إذا وجدت الشاشة
إعادة عرض «ولنا في الخيال حب» يوم 23 سبتمبر في نادي سينما الإسماعيلية ليست مجرد خبر عن فيلم يُعرض من جديد، بل تذكير بأن أزمة السينما المستقلة في مصر ليست إنتاجًا فقط، بل تداولًا وعدالة وصول. وحين تصل الأفلام إلى المحافظات عبر مؤسسات ثقافية جادة، فإنها لا تمنح الجمهور فرصة مشاهدة عمل جيد فحسب، بل تفتح أيضًا نقاشًا أوسع عن شكل الخريطة السينمائية المصرية خارج المركز.
ربما لا يحل هذا العرض وحده أزمة التوزيع، لكنه يضع إصبعًا دقيقًا على السؤال الصحيح: كم فيلمًا مصريًا مختلفًا كان يمكن أن يعيش أطول، لو وجد شاشة ثابتة في المحافظات؟ في هذه المسافة بين السؤال والعرض، تكمن قيمة أمسية الإسماعيلية، وتكمن أيضًا فرصة حقيقية لمستقبل السينما المستقلة في مصر.