الثقافة على البحر.. كيف غيّر «صيف بلدنا» شكل المصايف؟
من الشاطئ إلى المسرح.. كيف وصلت الثقافة إلى المصطافين؟
في السنوات الأخيرة، تغيّرت خريطة الترفيه الصيفي على السواحل المصرية. فبدلا من أن تظل الشواطئ مجرد مساحة للسباحة والتنزه، بدأت تتحول تدريجيا إلى منصات مفتوحة تستقبل العروض الفنية والأنشطة الثقافية المجانية. هذا التحول ظهر بوضوح مع مهرجان «صيف بلدنا» الذي تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة، ليقدّم للجمهور في المدن الساحلية مزيجا من الفنون الشعبية، والموسيقى العربية، والعروض المخصصة للأطفال، في قلب موسم المصايف.
الفكرة هنا لا تقوم فقط على تقديم حفلات في أماكن مفتوحة، بل على نقل الخدمة الثقافية نفسها إلى حيث يوجد الناس. ومع تزايد الإقبال على مدن مثل العلمين الجديدة ومرسى مطروح والإسكندرية ورأس البر وجمصة خلال الصيف، أصبح منطقيا أن تذهب العروض إلى الجمهور بدلا من انتظار حضوره إلى المسارح التقليدية.
«صيف بلدنا».. برنامج رسمي يمد الموسم الثقافي إلى الساحل
بحسب ما أعلنته الهيئة العامة لقصور الثقافة، انطلق الموسم الأول من مهرجان «صيف بلدنا» في مدينة العلمين الجديدة يوم 16 يوليو 2025 على المسرح الروماني بالمنطقة التراثية، ضمن برنامج الأنشطة الصيفية لوزارة الثقافة، واستمرت الفعاليات حتى 29 أغسطس 2025. وقد قُدمت العروض مجانا للجمهور في التاسعة مساء يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، بمشاركة فرق الفنون الشعبية والموسيقى العربية والعروض الموجهة للأطفال.
البرنامج في العلمين لم يكن عابرا أو رمزيا، بل شمل جدولا واضحا لفرق من محافظات متعددة، من بينها أسيوط والشرقية وسوهاج ومطروح وأسوان وملوي وبورسعيد والعريش، إلى جانب فرق مثل كورال التذوق للموسيقى العربية ومصطفى كامل للموسيقى العربية والأنفوشي للإيقاعات الشرقية وأوبرا عربي وأطفال أوبرا عربي. هذا التنوع يعكس توجها واضحا لدى الوزارة نحو تقديم صورة حية للتراث المصري في فضاء صيفي مفتوح.
العلمين الجديدة.. شاطئ حديث يستضيف التراث
اللافت في تجربة العلمين الجديدة أنها تجمع بين مدينة ساحلية حديثة التطوير وبين محتوى فني يستند إلى التراث. ففي افتتاح المهرجان، قُدم الأوبريت الغنائي الاستعراضي «بداية جديدة» ثم أوبريت «العالم علمين»، إلى جانب عرض فرقة التنورة التراثية. وبعدها توالت الأسابيع بعروض لفرق الفنون الشعبية من المحافظات المختلفة، مع حفلات للموسيقى العربية توازن بين الطابع الاحتفالي والحفاظ على الذائقة الفنية.
هذا الدمج بين العمران الجديد والموروث الفني يمنح العلمين هوية مختلفة خلال موسم الصيف؛ فهي ليست فقط مدينة شاطئية تستقبل المصطافين، بل مساحة لعرض التنوع المصري في الرقصات الشعبية والأغنية التراثية والاستعراضات العائلية المناسبة للجمهور العام.
مطروح والإسكندرية ودمياط.. انتشار أوسع للفكرة
تجربة «صيف بلدنا» لم تتوقف عند العلمين. فالمهرجان واصل حضوره أيضا في مطروح ضمن موسمه الخامس، حيث استضاف مسرح النادي الاجتماعي عروضا مجانية استمرت حتى نهاية أغسطس، وسط حضور جماهيري كبير من أبناء المحافظة والمصطافين. وشهد البرنامج هناك أمسيات لفرق مثل أبو قير للموسيقى العربية والتذوق للموسيقى العربية والأنفوشي للفنون الشعبية، إضافة إلى عروض متنوعة لفرق الفنون الشعبية القادمة من محافظات مختلفة.
وفي الإسكندرية، احتضن قصر ثقافة الأنفوشي فعاليات من الدورة الخامسة للمهرجان، مع جدول لعروض فرق مثل سوهاج وأسوان وملوي والعريش والمنيا. كما وصل النشاط إلى رأس البر ودمياط الجديدة عبر عروض يومية مجانية في الثامنة مساء، وإلى جمصة بمحافظة الدقهلية، حيث شاركت أكثر من 20 فرقة فنية من محافظات متعددة.
هذا الانتشار يوضح أن المسألة ليست مجرد فعالية صيفية في مدينة واحدة، بل سياسة ثقافية تسعى إلى إعادة توزيع الفن على الخريطة الجغرافية للمصيف المصري، بحيث تصبح السواحل نفسها جزءا من المشهد الثقافي السنوي.
لماذا تنجح المسارح المفتوحة على الشاطئ؟
نجاح هذه الفعاليات يرتبط بعدة عوامل. أولها المجانية، وهي نقطة حاسمة في جذب العائلات والشباب الذين يبحثون عن أنشطة مسائية خارج إطار الحفلات التجارية مرتفعة التكلفة. ثانيها سهولة الوصول، لأن العروض تقام في أماكن معروفة وقريبة من حركة المصطافين. وثالثها طبيعة المحتوى الذي يناسب الجمهور الواسع، من فقرات الفلكلور إلى الأغاني الطربية والاستعراضات الموجهة للأطفال.
كما أن هذه المسارح المفتوحة تمنح الفنون الشعبية فرصة مختلفة للظهور. فالرقصات التراثية مثل التنورة، والتحطيب، والاستعراضات المستوحاة من البيئات الساحلية والصعيدية والبدوية، تبدو أكثر حيوية حين تُقدَّم أمام جمهور متنوع في فضاء مفتوح، لا داخل قاعة مغلقة. هنا يصبح الفن جزءا من تجربة المصيف نفسها، لا نشاطا منفصلا عنها.
الفنون الشعبية في قلب المشهد
من يتابع برامج «صيف بلدنا» يلاحظ أن الفنون الشعبية المصرية تحتل موقعا مركزيا. هذا الاختيار ليس تفصيلا، لأن هذه الفرق تحمل هوية المحافظات وتعيد تقديمها بشكل بصري مباشر. فعروض فرق مثل الشرقية، وأسوان، وسوهاج، وبورسعيد، والعريش، والأنفوشي، لا تكتفي بالرقص والغناء، بل تنقل ملامح البيئة المحلية والملابس والإيقاعات والحركة الشعبية من كل منطقة.
وفي المقابل، تحافظ حفلات الموسيقى العربية على حضور الأغنية الطربية المعروفة لدى الجمهور المصري، وهو ما يخلق توازنا بين التراث الراقص والتراث الغنائي. لذلك لا يبدو المهرجان مخصصا لفئة عمرية واحدة، بل ينجح غالبا في جمع الأطفال والشباب وكبار السن في المساحة نفسها.
دور وزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة
يقام المهرجان برعاية وزارة الثقافة المصرية، وبإشراف وتنظيم من الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة اللواء خالد اللبان، ضمن برامج الوزارة الهادفة إلى نشر الفنون في المحافظات وتعزيز الهوية المصرية. كما تشير البيانات الرسمية إلى أن التنفيذ يتم عبر الإدارة المركزية للشئون الفنية برئاسة الفنان أحمد الشافعي، وبمشاركة الأقاليم الثقافية وفروع الثقافة في المحافظات الساحلية.
ومن خلال هذا النموذج، تبدو الدولة وكأنها تعيد تعريف معنى النشاط الثقافي الصيفي: ليس مجرد حدث للنخبة أو داخل العاصمة، بل خدمة عامة تنتقل إلى المدن الشاطئية حيث تتكدس الحركة السياحية الداخلية. وهذا ينسجم مع الدور التاريخي للهيئة العامة لقصور الثقافة في توسيع الوصول إلى الفنون خارج المركز.
ماذا يعني ذلك للمصيف المصري؟
الأثر الأهم لهذه التجربة هو أن المصيف في مصر لم يعد استهلاكيا فقط. فإلى جانب البحر والمطاعم والتنزه، بات هناك عرض فني مجاني يمكن أن يحول الأمسية إلى تجربة ثقافية كاملة. كما أن وجود فرق من محافظات مختلفة على الشاطئ يخلق نوعا من التعارف الرمزي بين الجمهور وتراث المناطق الأخرى، وهو ما يضيف بعدا وطنيا واضحا للمشهد.
ومع استمرار هذا النمط في أكثر من محافظة، يمكن القول إن شواطئ مصر دخلت بالفعل مرحلة «المسارح المفتوحة». إنها صيغة تضع الثقافة وسط الناس، وتمنح الفنون الشعبية والموسيقى العربية حياة يومية خارج الجدران الرسمية. وبالنسبة للمصطاف، فالمكسب واضح: ليلة صيفية على البحر، يتجاور فيها النسيم مع الغناء، وتصبح الثقافة جزءا طبيعيا من متعة الإجازة.
أبرز ملامح التجربة في نقاط
- عروض مجانية تستهدف المصطافين والعائلات.
- انتشار جغرافي في العلمين ومطروح والإسكندرية ورأس البر ودمياط الجديدة وجمصة.
- مشاركة فرق من محافظات متعددة بما يعكس التنوع الثقافي المصري.
- حضور قوي للفنون الشعبية إلى جانب الموسيقى العربية وعروض الأطفال.
- استخدام المسارح المفتوحة والأماكن القريبة من الحركة الصيفية.