الفنانين الخمسه

الدورة التاسعة للجونة: ماذا تغيّر قبل انطلاق مهرجان 2026؟

ماذا نعرف رسميًا عن الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي؟

دخلت الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مرحلة أكثر وضوحًا بعد المؤتمر الصحفي الذي عُقد في القاهرة يوم 22 سبتمبر 2026، وأكد خلاله المنظمون أن المهرجان سيقام في مدينة الجونة على البحر الأحمر خلال الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026. هذا الإعلان لا يهم فقط المتابعين للصناعة، بل يهم أيضًا جمهور الفن المصري الذي يتعامل مع الجونة بوصفه واحدًا من أهم المواعيد السنوية لمتابعة أحدث الأفلام العربية والعالمية، ورصد التحولات التي تشهدها السينما والدراما في المنطقة.

اللافت هذا العام أن إدارة المهرجان لا تقدم الدورة التاسعة باعتبارها مجرد نسخة جديدة من حدث ناجح، بل باعتبارها مرحلة إعادة تعريف للمهرجان نفسه. عمرو منسي، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي، تحدث عن هوية بصرية جديدة ورؤية مختلفة، مع التأكيد على أن الجونة باتت تسعى إلى العمل كمنصة ثقافية ممتدة طوال العام، وليس فقط خلال أيام العروض والسجادة الحمراء.

الموعد الرسمي وعدد الأيام ولماذا يهم ذلك للجمهور المصري؟

المهرجان يمتد هذا العام على 9 أيام كاملة، من 15 إلى 23 أكتوبر، وهو توقيت يمنحه مساحة جيدة لبرمجة العروض، والندوات، وفعاليات الصناعة، وحركة الضيوف. كما أعلنت إدارة المهرجان مبكرًا عن فتح باب الاعتماد، مع بدء تسليم البطاقات من 12 أكتوبر 2026، وهو ما يعكس استعدادًا تنظيميًا مبكرًا مقارنة بما يهتم به عادة الصحفيون والنقاد والمتابعون من داخل مصر وخارجها.

ومن زاوية مصرية بحتة، يظل توقيت أكتوبر مناسبًا نسبيًا لعودة النشاط الثقافي والفني بعد الصيف، كما أنه يمنح جمهور الوسط السينمائي فرصة لالتقاط نبض الموسم الجديد قبل ازدحام خريطة الخريف والشتاء بالعروض التجارية والمهرجانات العربية الأخرى.

تكريم منى زكي: العنوان المصري الأبرز في الدورة التاسعة

إذا كان لا بد من اختيار العنوان المصري الأبرز في إعلان الدورة التاسعة، فهو بلا شك قرار منح الفنانة منى زكي جائزة الإنجاز الإبداعي. هذا التكريم يرسخ بوضوح زاوية محلية مهمة داخل دورة تحمل بطبيعتها طابعًا دوليًا، لأن منى زكي تظل واحدة من أكثر النجمات ارتباطًا بتحولات الذائقة المصرية بين السينما والدراما خلال أكثر من عقدين.

أهمية التكريم لا تتوقف عند قيمة الاسم فقط، بل تمتد إلى توقيته أيضًا. فالمهرجان لا يكرّم نجمة جماهيرية وحسب، بل يضع في واجهة الدورة ممثلة ارتبط اسمها بتجارب متنوعة بين السينما التجارية والأعمال ذات الطابع الفني، وهو ما يجعل الاختيار مفهومًا ومقروءًا لدى جمهور فن مصر. ولأن الدورة نفسها تعلن رغبتها في توسيع النقاش حول التمثيل والخيارات الفنية، فمن المنطقي أن تحضر منى زكي في جلسة بعنوان «ما بعد النجومية» ضمن برنامج «ملتقى سيني جونة»؛ وهي جلسة تبدو، من عنوانها وحده، قريبة من الأسئلة التي تشغل الجمهور المصري بشأن معنى الاستمرار والتجدد في مسيرة نجم كبير.

نحو 70 فيلمًا وثلاث مسابقات رئيسية

بحسب التفاصيل المعلنة، يعرض المهرجان هذا العام نحو 70 فيلمًا من أحدث الإنتاجات العربية والعالمية، ضمن هيكل برامجي يضم ثلاث مسابقات رسمية هي: مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، ومسابقة الأفلام القصيرة، إلى جانب البرنامج الرسمي خارج المسابقة والبرنامج الخاص. وتبلغ قيمة الجوائز 230 ألف دولار أمريكي، مع استمرار جائزة نجمة الجونة الخضراء المخصصة للأفلام المرتبطة بالقضايا البيئية، بالإضافة إلى جائزة الجمهور «سينما من أجل الإنسانية» للأفلام الطويلة ذات الطابع الإنساني.

هذه الأرقام تعني عمليًا أن المهرجان يحاول الحفاظ على توازنه المعتاد: مساحة للأفلام الفنية والإنسانية، وأخرى لعناوين المهرجانات الكبرى، وثالثة للأصوات الجديدة. بالنسبة للجمهور المصري، هذا التوازن هو أحد أسباب بقاء الجونة في دائرة الاهتمام؛ لأنه لا يكتفي بفكرة الحدث الاجتماعي، بل يقدم أيضًا برنامجًا يمكن متابعته نقديًا وفنيًا.

أول 10 أفلام معلنة: ما الذي تكشفه عن اتجاه البرمجة؟

في 19 أغسطس 2026 أعلن المهرجان أول 10 أفلام من اختيارات الدورة التاسعة، وقدمت هذه الدفعة المبكرة تصورًا أوليًا عن روح البرنامج. من بين العناوين المعلنة: All of a Sudden (Soudain) للمخرج ريوسوكي هاماجوتشي، وAmerican Doctor للمخرجة بوه سي تينغ، وFatherland لباول بافليكوفسكي، وThe Garden We Dreamed لخواكين ديل باسو، وThe Guest لمادس منغل، وHold Onto Me لميرسيني أريستيدو، وQueen at Sea للانس هامر، وRose لماركوس شلاينتسر، وWho Killed Alex Odeh? لوليام لافي يومانس وجايسون أوزدر، وYellow Letters لإلكر تشاتاك.

الجامع بين هذه العناوين أنها ليست اختيارات عشوائية أو استهلاكية، بل أفلام وصلت وفي رصيدها حضور أو جوائز من مهرجانات كبرى مثل كان وبرلين وصندانس وكارلوفي فاري. من منظور جمهور الفن المصري، هذا مهم لأنه يشير إلى أن الجونة لا يزال متمسكًا بدوره كبوابة مصرية لمشاهدة أفلام يتردد صداها عالميًا، بدل الاكتفاء بعروض احتفالية تفتقر إلى الوزن الفني.

«سيني جونة» يتوسع.. والرهان هذه المرة يتجاوز السينما إلى المسلسلات

أحد أهم التطورات في الدورة التاسعة هو اتساع دور منصة سيني جونة، التي أصبحت تضم خمسة برامج: سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام، وملتقى سيني جونة لصناع الأفلام، وسوق سيني جونة، وسيني جونة للمواهب الناشئة، وسيني جونة مسلسلات بوصفه البرنامج المستحدث في هذه الدورة.

هذا التوسع مهم جدًا من زاوية مصرية؛ لأن العلاقة بين السينما والدراما التلفزيونية لم تعد منفصلة كما كانت في السابق. الجونة التقط هذه الحقيقة مبكرًا هذا العام، وأعلن بالفعل اختيار 6 مشروعات للمشاركة في الجولة الافتتاحية من CineGouna Series، وهو برنامج مخصص لتطوير المسلسلات العربية عبر جلسات إرشاد مكثفة وعرض المشروعات على متخصصين ومنتجين وصناع قرار خلال أيام المهرجان. بالنسبة لجمهور الفن في مصر، حيث ما زالت الدراما التلفزيونية عنصرًا أساسيًا في تشكيل النجومية والاهتمام العام، تبدو هذه الإضافة أكثر من منطقية.

وفي ملف دعم الإنتاج، كشفت البيانات المنشورة أن برنامج سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام تلقى أكثر من 310 مشروعات من أنحاء العالم العربي، قبل اختيار 13 مشروعًا في مرحلة التطوير و6 أفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج، إلى جانب 4 مشروعات ضمن برنامج «أصوات مصرية». هذه الأرقام تكشف أن المهرجان لا يريد الاكتفاء ببرمجة الأفلام الجاهزة، بل يسعى للتأثير في مسار الصناعة نفسها.

جلسات وندوات أقرب لأسئلة اللحظة

برنامج ملتقى سيني جونة هذا العام يبدو بدوره حافلًا بموضوعات تمس الحاضر مباشرة. من بين الجلسات المعلنة: جلسة «ما بعد النجومية» مع منى زكي، وجلسة مع المخرج يسري نصر الله عن مسيرته، ونقاش حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره على التطوير والتمويل والإنتاج والتسويق والتوزيع، إلى جانب محاضرة للمخرجة جيهان الطاهري عن الأرشيف والذاكرة البصرية، وجلسات تستعيد تجربة المخرج الراحل محمد خان بالتزامن مع مرور 10 سنوات على رحيله.

هذه ليست تفاصيل جانبية، بل جزء من هوية الدورة نفسها. فالجمهور المصري الذي يتابع الجونة من بعيد أو من داخل القاعات لم يعد يكتفي بسؤال: من حضر؟ بل يسأل أيضًا: ما الذي يُناقش؟ وما الجديد في أسئلة الصناعة؟ وفي هذا السياق، تبدو الدورة التاسعة واعية بتحولات المشهد السمعي البصري في مصر والمنطقة.

كيف يمكن قراءة الدورة التاسعة من منظور جمهور الفن المصري؟

من هذه الزاوية، يمكن القول إن الدورة التاسعة تراهن على ثلاثة مستويات معًا. الأول هو الرمزية المحلية عبر تكريم منى زكي، وهو قرار يعيد ربط الحدث بأسماء مصرية لها وزن جماهيري وفني. الثاني هو الرهان البرامجي عبر نحو 70 فيلمًا وانتقاء عناوين صاحبة حضور دولي واضح. والثالث هو الرهان الصناعي عبر توسيع «سيني جونة» وإضافة مسار خاص بالمسلسلات العربية.

والنتيجة أن الدورة التاسعة لا تبدو مجرد استمرار روتيني لما سبقها، بل محاولة لإثبات أن مهرجان الجونة ما زال قادرًا على تحديث نفسه، مع الاحتفاظ بموقعه داخل الخريطة الثقافية المصرية. وإذا نجحت الإدارة في ترجمة هذه العناوين إلى تجربة مشاهدة وتنظيم ونقاش حقيقي على الأرض بين 15 و23 أكتوبر 2026، فستكون الدورة التاسعة واحدة من أكثر دورات الجونة قابلية للقراءة من منظور فن مصر، لا باعتبارها مناسبة نخبوية مغلقة، بل كحدث ينعكس على صورة السينما والدراما المصرية في لحظة شديدة الحركة.