القاهرة السينمائي يفتح باب النقد لاكتشاف «سينما النوع»
خطوة جديدة من مهرجان القاهرة السينمائي نحو توسيع النقاش حول «سينما النوع»
يتجه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي إلى فتح مساحة أوسع أمام النقاد والباحثين والكتّاب للاشتباك مع ما يُعرف بـسينما النوع، في مبادرة تستهدف إثراء النقاش النقدي حول الأفلام التي تنتمي إلى مسارات مثل الرعب، والفانتازيا، والخيال العلمي، وأفلام التشويق والجريمة. أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند حدود الإعلان نفسه، بل ترتبط بتحول أوسع يشهده المهرجان في السنوات الأخيرة، يقوم على ربط عرض الأفلام بحوار نقدي وصناعي أكثر عمقًا داخل مصر والمنطقة العربية.
المهرجان، الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية ويُعد من المهرجانات القليلة المصنفة ضمن الفئة «A» من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، أكد عبر منصاته الرسمية أنه يواصل العمل على دعم الثقافة السينمائية إلى جانب برمجة العروض والمسابقات. كما توضح لوائحه الرسمية أن دورته السادسة والأربعين أُقيمت في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة خلال الفترة من 12 إلى 21 نوفمبر 2025، بينما تشير منصة التقديم الرسمية إلى أن الدورة التالية تحمل رقم 46 على الموقع الإنجليزي مع موعد معلن من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، وهو ما يعكس تحديثات تنظيمية على المنصات الرسمية ينبغي متابعتها عند إعلان التفاصيل النهائية لكل دورة.
لماذا تبدو «سينما النوع» ملفًا مهمًا الآن؟
في السياق المصري والعربي، ظلت «سينما النوع» لسنوات طويلة محاصرة بتصورات تعتبرها أقل قيمة من الأعمال الاجتماعية أو الواقعية، رغم أن هذا التصنيف يضم بعضًا من أكثر الأفلام تأثيرًا جماهيريًا وفنيًا في العالم. الحديث هنا لا يقتصر على أفلام الرعب أو الفانتازيا بوصفها ترفيهًا خالصًا، بل يمتد إلى قدرتها على التعبير عن المخاوف الاجتماعية، وتفكيك السلطة، ومناقشة الهوية، والاشتباك مع التاريخ والذاكرة من خلال أشكال سردية شعبية وجذابة.
ومن هنا تبدو دعوة مهرجان القاهرة السينمائي للنقاد والباحثين ذات دلالة واضحة: المهرجان لا يريد فقط عرض هذه الأعمال، بل يسعى أيضًا إلى بناء لغة نقدية أكثر نضجًا للتعامل معها. هذا التوجه ينسجم مع حضور المهرجان المتزايد في المبادرات الدولية المرتبطة بهذا المسار السينمائي، ومنها مشاركته المستمرة في مبادرة Fantastic 7 التي تُعنى بدعم مشروعات أفلام النوع حول العالم.
سجل سابق للمهرجان في دعم هذا المسار
الدلائل على هذا الاهتمام ليست جديدة. ففي 2025 أعلن مهرجان القاهرة السينمائي استمرار تعاونه مع Marché du Film التابع لمهرجان كان ومهرجان سيتجيس عبر مبادرة Fantastic 7، وهي منصة دولية تُسلط الضوء على مستقبل أفلام النوع ومشروعاتها الواعدة. كما سبق للمهرجان أن أعلن اختيار مشروع الفيلم العربي «عين حارة» للمشاركة في المبادرة، وقدم ذلك باعتباره جزءًا من انفتاحه على هذا النوع من الأعمال ودعمه لصناعها العرب.
هذه الخلفية تمنح الدعوة الجديدة للنقاد وزنًا أكبر؛ فهي لا تبدو مجرد نشاط جانبي، بل امتدادًا لسياسة ثقافية وبرمجية تتعامل مع «سينما النوع» باعتبارها جزءًا أصيلًا من تطور الصناعة، وليس مجرد هامش مخصص للعروض الليلية أو لجمهور محدود.
من يقود هذا التوجه داخل المهرجان؟
على مستوى الإدارة، يقف الفنان حسين فهمي في صدارة الواجهة المؤسسية للمهرجان بصفته رئيسًا له، وقد شددت أخبار رسمية صادرة عن المهرجان خلال 2026 على دوره في دعم المبادرات المرتبطة بالمواهب الشابة والحضور المصري في الفعاليات الدولية. كما يبرز اسم الناقد محمد طارق بصفته المدير الفني للمهرجان، وهو حاضر في أكثر من نشاط دولي ناقش أوضاع النقد السينمائي الراهن وصلته بتحولات الصناعة.
وفي مايو 2026، أعلن المهرجان من خلال الجناح المصري في مهرجان كان عن تعاون ثلاثي يجمعه مع الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبريسي) وبرنامج مواهب ديربان لتمكين النقاد الشباب، بما يشمل دعوة أحد المشاركين لتغطية فعاليات المهرجان والكتابة في نشرته اليومية باللغة الإنجليزية. هذا التطور مهم لأنه يكشف أن إدارة المهرجان لا تنظر إلى النقد بوصفه نشاطًا موازيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من المنظومة المهنية التي تصنع قيمة الفيلم وتوسّع أثره.
ماذا تعني المبادرة للنقاد والباحثين في مصر؟
بالنسبة للمشهد النقدي المصري، فإن أي دعوة من هذا النوع تحمل أكثر من فائدة. أولًا، إنها تمنح مساحة شرعية ومؤسسية للكتابة عن أفلام طالما وُضعت خارج مركز الاهتمام الأكاديمي والإعلامي. ثانيًا، تفتح الباب أمام مقاربات جديدة تربط بين النظرية والتطبيق، وبين تاريخ السينما المصرية وتحولاتها الحالية. وثالثًا، قد تساعد على خلق جسر بين الأجيال الجديدة من الكتّاب والجمهور الذي ينجذب بطبيعته إلى أفلام الرعب والتشويق والخيال.
ومن زاوية محلية خالصة، فإن هذه الخطوة قد تكون مفيدة أيضًا لصناع الأفلام المصريين الذين يحاولون خلال السنوات الأخيرة اختبار أشكال إنتاج وسرد أقل تقليدية. فكلما تطور الخطاب النقدي حول «سينما النوع»، أصبح تقييم هذه الأعمال أكثر عدالة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة التي تختزلها في كونها تجارية فقط أو وافدة من الخارج.
القاهرة السينمائي بين العرض والنقاش والصناعة
ما يميز مهرجان القاهرة السينمائي اليوم أنه يحاول التحرك على أكثر من مستوى في الوقت نفسه: منصة عروض، وسوق للحوار المهني، ومساحة لصناعة المعرفة السينمائية. فالمهرجان الرسمي يضم أقسامًا متعددة، من بينها أسبوع النقاد الدولي والبانوراما الدولية والعروض الخاصة ومنتصف الليل، وهي أقسام تمنح بطبيعتها حضورًا أكبر لأفلام النوع والأعمال غير التقليدية، إلى جانب المسابقات الرئيسية.
كما أن عودة النقاشات المرتبطة بالنقد في فعاليات دولية شارك فيها المهرجان خلال 2026، ومن بينها جلسة «واقع النقد اليوم» في الجناح المصري بمهرجان كان، تؤكد أن المؤسسة تعي الفجوة القائمة بين التحولات السريعة في لغة السينما وبين بطء أدوات القراءة أحيانًا. لذلك تبدو الدعوة الجديدة منطقية ومتصلة بخط المهرجان العام، لا مجرد مبادرة منفصلة.
ما الذي يمكن أن يقدمه هذا المسار للجمهور المصري؟
رغم أن الدعوة موجهة أساسًا إلى النقاد والباحثين، فإن أثرها النهائي قد يصل إلى الجمهور. عندما تتسع الكتابة الجادة حول «سينما النوع»، يصبح المتلقي أمام قراءة تساعده على فهم هذه الأفلام خارج ثنائية «تسلية» أو «فن رفيع». وهذا مهم في مصر، حيث يتابع الجمهور بشغف كبير أفلام التشويق والرعب والفانتازيا، سواء في السينما أو عبر المنصات، لكنه لا يجد دائمًا خطابًا نقديًا عربيًا يواكب هذا الاهتمام بالقدر نفسه.
- للنقاد: فرصة لإعادة فحص مفاهيم قديمة في تصنيف الأفلام.
- للباحثين: مساحة لاختبار مقاربات أكاديمية جديدة تتصل بالسرد والهوية والرمز.
- للصناع: بيئة أكثر تفهمًا لتجاربهم خارج القوالب الواقعية التقليدية.
- للجمهور: مادة نقدية عربية أقرب إلى ذائقته السينمائية الفعلية.
خلاصة المشهد
دعوة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي إلى اكتشاف عوالم «سينما النوع» عبر القراءة النقدية تبدو خطوة في توقيت مناسب، خصوصًا مع تصاعد حضور هذا التيار عالميًا وعربيًا، ومع سعي المهرجان إلى تأكيد موقعه كمؤسسة لا تكتفي بعرض الأفلام بل تساهم في تشكيل النقاش حولها. وإذا نجحت المبادرة في استقطاب أصوات نقدية جادة من مصر والعالم العربي، فقد تتحول إلى نقطة مؤثرة في إعادة تعريف العلاقة بين الجمهور والنقاد وأفلام النوع داخل المشهد السينمائي المصري.
في النهاية، الرهان الحقيقي ليس فقط على استقبال الأعمال المنتمية إلى هذا المسار داخل قاعات العرض، بل على امتلاك أدوات نقدية قادرة على قراءتها بجدية، وفهم جمالياتها، ومكانها في تطور السينما العربية المعاصرة.