المسرح القومي يحتفي بـ200 ليلة من نجاح «الملك لير»
200 ليلة جديدة تؤكد مكانة «الملك لير» على المسرح القومي
يواصل المسرح القومي في العتبة ترسيخ حضوره كأحد أهم مسارح الدولة، مع الاحتفاء بوصول عروض مسرحية «الملك لير» إلى 200 ليلة عرض، في محطة تعكس حجم الإقبال الجماهيري على العمل منذ عودته إلى الخشبة ببطولة الفنان الكبير يحيى الفخراني. ويأتي هذا الاحتفاء بعد سلسلة نجاحات متتالية حققها العرض خلال موسميه الأخيرين، ليصبح واحدًا من أبرز عناوين المشهد المسرحي المصري في 2025 و2026.
العمل الذي يقدمه يحيى الفخراني أعاد إحياء واحدة من أشهر تراجيديات وليام شكسبير برؤية مصرية معاصرة، مستفيدًا من ثقل النص الأصلي ومن الخبرة المسرحية الطويلة للفخراني، الذي ارتبط اسمه بهذه المسرحية عبر أكثر من تجربة سابقة. ومع كل عودة جديدة لـ«الملك لير»، يبدو أن الجمهور المصري يجد نفسه أمام مناسبة فنية خاصة، لا مجرد عرض عابر في جدول المسرح.
كيف تطور نجاح «الملك لير» على الخشبة؟
المؤكد من المصادر المنشورة أن العرض انطلق على خشبة المسرح القومي في 8 يوليو 2025، بحسب ما أعلنته الصفحة الرسمية للمسرح القومي عند الكشف عن بدء تقديم المسرحية، تحت إدارة الدكتور أيمن الشيوي وإخراج شادي سرور. ومنذ الأسابيع الأولى، بدا واضحًا أن العمل يستقطب جمهورًا واسعًا، سواء من عشاق المسرح الكلاسيكي أو من جمهور يحيى الفخراني الممتد عبر الأجيال.
وفي 4 مايو 2026، أعلن المسرح القومي الاحتفاء بوصول العرض إلى 150 ليلة، مع تأكيد استمرار تقديمه من الخميس إلى الأحد أسبوعيًا في تمام التاسعة مساءً، وبأسعار تذاكر 60 و80 و110 جنيهات. كما أشارت البيانات المنشورة آنذاك إلى أن الإيرادات تجاوزت 4.2 مليون جنيه، وهو رقم يعكس بوضوح حجم الرواج الذي حققته المسرحية مع الحفاظ على تذاكر مدعومة نسبيًا مقارنة بعروض تجارية أخرى.
وقبل ذلك، كان العرض قد أنهى موسمه الأول قبل رمضان يوم 15 فبراير 2026، ثم عاد مجددًا في موسم عيد الفطر، وهو ما منح العمل دفعة إضافية للاستمرار والوصول إلى محطات احتفالية متتالية، من 100 ليلة إلى 150 ليلة، وصولًا الآن إلى 200 ليلة عرض.
يحيى الفخراني في قلب الحدث
يبقى يحيى الفخراني هو الاسم الأبرز في هذه التجربة، بوصفه العنصر الأكثر جذبًا للانتباه داخل المشروع كله. عودة الفخراني إلى خشبة المسرح القومي حملت قيمة رمزية خاصة، ليس فقط بسبب نجوميته، لكن أيضًا لأن «الملك لير» من الأعمال التي ارتبطت بمسيرته الفنية على نحو استثنائي. وقد سبق له تقديم النص في نسخة شهيرة عام 2001 على مسرح الدولة، قبل أن يعود إليه لاحقًا في نسخة أخرى عام 2019 على مسرح خاص، ثم يعود به مجددًا إلى المسرح القومي في التجربة الحالية.
هذه الاستمرارية منحت العرض وزنًا دراميًا وتاريخيًا معًا؛ فالمشاهد هنا لا يتابع مجرد معالجة جديدة لنص شكسبيري، بل يشاهد أيضًا ممثلًا كبيرًا يراجع شخصية لازمت تاريخه الفني، ويعيد تقديمها في مرحلة نضج مختلفة. وربما لهذا السبب احتفظت المسرحية بجاذبيتها، حتى مع تكرار تقديمها في أكثر من زمن وسياق.
فريق العمل وراء العرض
إلى جانب يحيى الفخراني، يشارك في بطولة العرض مجموعة من فناني المسرح القومي الذين أسهموا في تثبيت إيقاع العمل على الخشبة. وتضم قائمة الأبطال، وفق البيانات المنشورة عن العروض الأخيرة، كلًا من:
- طارق دسوقي
- حسن يوسف
- أحمد عثمان
- تامر الكاشف
- أمل عبد الله
- إيمان رجائي
- لقاء علي
- بسمة دويدار
- طارق شرف
- محمد العزايزي
- عادل خلف
أما على مستوى العناصر الفنية، فالعرض من ترجمة الدكتورة فاطمة موسى، وإخراج شادي سرور، وديكور حمدي عطية، وملابس علا علي، وإضاءة الحسين كاجو، وموسيقى أحمد الناصر، واستعراضات ضياء شفيق، وماكياج إسلام عباس. هذه المنظومة منحت النص الكلاسيكي شكلًا بصريًا معاصرًا وساعدت على تقديمه بما يليق بجمهور اليوم.
من القاهرة إلى الإسكندرية.. تمدد جماهيري واضح
نجاح «الملك لير» لم يتوقف عند القاهرة فقط. ففي 25 يوليو 2026 شهد الدكتور عبد العزيز قنصوة، القائم بأعمال وزير الثقافة وقتها، انطلاق العرض ضمن الموسم الصيفي للبيت الفني للمسرح في الإسكندرية على مسرح بيرم التونسي. وبحسب ما أُعلن رسميًا، تقرر مد العروض هناك حتى 29 يوليو 2026 بعد الإقبال الجماهيري الكبير من جمهور الإسكندرية.
هذا الانتقال إلى محافظة كبرى مثل الإسكندرية يحمل دلالة مهمة؛ فنجاح المسرحية لم يعد مرتبطًا فقط بموقعها التقليدي في قلب القاهرة، بل تحول إلى رهان ناجح على قدرة المسرح الجاد على الوصول إلى جمهور المحافظات أيضًا، حين يتوافر له اسم جماهيري كبير وإنتاج منظم وخطة عرض واضحة.
لماذا ينجح «الملك لير» الآن؟
يمكن قراءة النجاح المستمر للمسرحية من أكثر من زاوية. أولًا، هناك الحضور الطاغي ليحيى الفخراني، وهو اسم لا يزال يحتفظ بثقة الجمهور المصري والعربي. ثانيًا، هناك طبيعة النص نفسه؛ فـ«الملك لير» من الأعمال التي تناقش السلطة والغرور والخذلان والصراع العائلي، وهي موضوعات لا تفقد راهنيتها مهما تغير الزمن. وثالثًا، هناك عامل السعر وإتاحة التذاكر، إذ حافظ المسرح القومي على شرائح سعرية مناسبة نسبيًا، ما شجع قطاعات أوسع من الجمهور على الحضور.
كما أن العرض استفاد من حالة الاهتمام المتزايد بعودة النجوم الكبار إلى المسرح، وهي ظاهرة أعادت تسليط الضوء على الخشبة بوصفها مساحة للفن الحي لا يمكن تعويضها بالشاشة أو المنصات الرقمية. وفي هذا السياق، تحولت كل ليلة جديدة من «الملك لير» إلى ما يشبه الحدث الثقافي، خاصة بين جمهور القاهرة الكبرى.
احتفالية 200 ليلة.. أكثر من مجرد رقم
الاحتفاء بوصول «الملك لير» إلى 200 ليلة عرض لا يبدو مجرد مناسبة دعائية، بل هو مؤشر على أن العمل استطاع أن يعيش فعليًا مع الجمهور، وأن يرسخ مكانته كأحد أنجح عروض الدراما والسينما على خشبة المسرح في مصر خلال الفترة الأخيرة. والأهم أن هذا النجاح تحقق داخل مؤسسة ثقافية رسمية، بما يثبت أن المسرح العام لا يزال قادرًا على المنافسة حين تتوافر له الرؤية والإدارة والنجوم.
في النهاية، تبدو «الملك لير» اليوم أكثر من مجرد عودة لنص شكسبيري شهير؛ إنها أيضًا عودة قوية لفكرة المسرح الحدث، حيث يمتزج اسم النجم الكبير بقيمة النص، وحيث يجد الجمهور المصري سببًا جديدًا للذهاب إلى المسرح القومي ومتابعة عرض أصبح بالفعل أحد العلامات البارزة في موسم المسرح المصري.