المهرجان القومي للمسرح يفتح ملف الموسيقى والغناء في العرض
جلسة متخصصة تضع الموسيقى في قلب العرض المسرحي
واصل المهرجان القومي للمسرح المصري فعاليات دورته التاسعة عشرة بطرح ملف فني يهم جمهور المسرح وصنّاعه معًا، إذ خُصصت جلسة بعنوان توظيف الموسيقى والغناء في العروض المسرحية ضمن مسار «وصلة»، وذلك تحت رئاسة الفنان محمد رياض. الجلسة لم تتعامل مع الموسيقى باعتبارها خلفية مرافقة للمشهد فقط، بل ناقشتها كعنصر مؤثر في تشكيل المعنى والإيقاع والانفعال داخل العرض.
وبحسب التفاصيل المعلنة، أُقيمت الجلسة يوم 26 يوليو 2026 ضمن برنامج الدورة الحالية، بمشاركة الدكتور طارق مهران، والدكتور وليد الشهاوي، والمؤلفين الموسيقيين كريم عرفة وزياد هجرس، وأدارتها الدكتورة رانيا يحيى، الرئيس السابق لأكاديمية الفنون المصرية في روما. هذا الحضور المتنوع بين الأكاديمي والممارس منح النقاش طابعًا عمليًا يتجاوز التنظير إلى خبرة التنفيذ على خشبة المسرح.
لماذا تبدو هذه الندوة مهمة لجمهور «الموسيقى والمشاهير»؟
أهمية الندوة لا تتوقف عند جمهور المسرح المتخصص. في مصر، يرتبط تلقي العروض المسرحية كثيرًا بالأغنية والاستعراض والموسيقى الحية، سواء في المسرح الغنائي أو العروض الدرامية التي تستخدم الموسيقى لبناء الحالة النفسية. ومن هنا، يصبح النقاش حول كيفية توظيف الألحان والغناء داخل العرض جزءًا مباشرًا من المشهد الثقافي والفني الذي يتابعه جمهور الموسيقى والمشاهير.
اللافت أن إدارة الجلسة شددت على أن الموسيقى والغناء ليسا مجرد إضافات تجميلية، بل يدخلان في البناء الدرامي نفسه، بما يعمّق الدلالات ويزيد من الأثر الوجداني لدى المتلقي. هذه الفكرة تعكس اتجاهًا فنيًا واضحًا داخل المسرح المصري المعاصر: أن الصوت، مثل الضوء والديكور والأداء، شريك كامل في صناعة المعنى.
آراء المشاركين: من الدراسة الأكاديمية إلى البروفات
خلال النقاش، تناول الدكتور طارق مهران طبيعة عمل المؤلف الموسيقي في المسرح، موضحًا أن المسألة لا تعتمد على الموهبة وحدها، بل تحتاج إلى دراسة أكاديمية وخبرة قادرة على فهم الأشكال الموسيقية المختلفة وتوظيفها دراميًا. كما فرّق بين دور المؤلف الموسيقي، والملحن، والموزع، في إشارة مهمة إلى أن صناعة الموسيقى المسرحية أكثر تعقيدًا من مجرد ابتكار لحن جذاب.
وتطرق مهران أيضًا إلى تطورات حديثة مثل دور مصمم الصوت واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إنتاج أفكار موسيقية، مع التشديد على أن الأدوات الحديثة لا يمكن أن تحل محل الحس الفني والمعرفة الموسيقية المتخصصة. وهذه نقطة شديدة الصلة بما يحدث حاليًا في مجالات التأليف الموسيقي عمومًا، حيث تتسع مساحة الاعتماد على التقنيات الرقمية دون الاستغناء عن الخبرة البشرية.
من جانبه، ركز الدكتور وليد الشهاوي على التجربة العملية، معتبرًا أن نجاح الموسيقى المسرحية لا يتحقق بعيدًا عن البروفات والتفاعل اليومي مع عناصر العرض. فالمؤلف الموسيقي، بحسب الطرح الذي قُدم، يحتاج إلى متابعة حركة الممثلين والإضاءة والديكور والإيقاع العام للمشاهد حتى تصبح الموسيقى جزءًا من النسيج الدرامي، لا عنصرًا منفصلًا عنه.
أما المؤلف الموسيقي كريم عرفة، فلفت إلى أن من أصعب التحديات التي قد تواجه صانع الموسيقى في المسرح العمل مع مخرج لا يملك تصورًا واضحًا للمسار السمعي داخل العرض. وفي المقابل، تبرز أهمية الحوار المبكر بين المخرج والمؤلف الموسيقي للوصول إلى رؤية موحدة، وهو ما يتفق مع الرسالة العامة التي خرجت بها الجلسة.
دورة 2026: أرقام وبرنامج أوسع من مجرد عروض
الندوة تأتي ضمن دورة تبدو مزدحمة بالأنشطة هذا العام. فالمهرجان القومي للمسرح المصري أعلن أن الدورة التاسعة عشرة تضم 34 عرضًا في المسابقة الرسمية، إلى جانب 3 عروض على الهامش. كما أقيم المؤتمر الصحفي الخاص بإعلان التفاصيل على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية يوم 20 يوليو 2026، بينما انطلقت الفعاليات رسميًا بحفل افتتاح على المسرح الكبير بدار الأوبرا يوم 25 يوليو 2026.
وتعكس قائمة العروض المشاركة تنوع جهات الإنتاج بين البيت الفني للمسرح، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ومركز الهناجر للفنون، وصندوق التنمية الثقافية، والمسرح الجامعي، والفرق الحرة والمستقلة، ونقابة المهن التمثيلية، والقطاع الخاص. هذا التنوع مهم لأنه يفتح المجال أمام أساليب مختلفة في توظيف الموسيقى، من العروض ذات الطابع الغنائي والاستعراضي إلى الأعمال الدرامية التي تستخدم الموسيقى بحساب شديد.
شعار «المهرجان القومي للمسرح في كل مصر»
ضمن ملامح الدورة الحالية أيضًا، أكد محمد رياض أن المهرجان يتحرك هذا العام تحت شعار «المهرجان القومي للمسرح في كل مصر»، في محاولة لكسر مركزية الفعاليات الفنية داخل القاهرة فقط. كما أشار إلى أن الدورة الحالية تتضمن ورشًا وعروضًا تطبيقية وقراءات مسرحية للنصوص الفائزة، بما يعكس توجهًا نحو دعم المواهب الشابة وليس الاكتفاء بعرض الإنتاجات الجاهزة.
هذا التوجه يهم جمهور الفن في مصر، لأن تطوير المشهد المسرحي لا يعتمد فقط على المنافسة بين العروض، بل أيضًا على تدريب جيل جديد من الممثلين والمخرجين وكتاب النصوص والمؤلفين الموسيقيين. ومن هنا، تبدو جلسة الموسيقى والغناء جزءًا من رؤية أوسع تحاول إعادة الاعتبار للعناصر الصوتية بوصفها مكونًا أساسيًا في العرض الحي.
الموسيقى المسرحية بين التراث والتجديد
في السياق المصري، يبقى للموسيقى المسرحية خصوصية واضحة. فالمسرح المحلي عرف عبر تاريخه الطويل أشكالًا متعددة من التداخل بين التمثيل والغناء، من المسرح الغنائي الكلاسيكي إلى العروض الحديثة التي تمزج بين الأداء الدرامي والمؤثرات الصوتية والتوزيع الإلكتروني. لذلك، فإن أي نقاش جاد حول الموسيقى داخل العرض المسرحي يلامس جانبًا حيًا من ذاكرة المسرح المصري ومن حاضره أيضًا.
كما أن الحديث عن الغناء في العروض المسرحية يفتح الباب أمام أسئلة عملية: متى يكون الغناء مبررًا دراميًا؟ ومتى يتحول إلى عبء على الإيقاع؟ وكيف يمكن توظيف الموسيقى الحية أو المسجلة دون إضعاف حضور الممثل؟ هذه الأسئلة لم تعد فنية خالصة فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بانتظارات الجمهور، خصوصًا في زمن تتنافس فيه المنصات الرقمية والعروض الحية على جذب الانتباه.
ماذا تعني هذه المناقشات لصنّاع الفن؟
- رفع الوعي بالفروق بين التأليف الموسيقي والتلحين والتوزيع داخل المسرح.
- تأكيد أهمية البروفات كمساحة لاختبار العلاقة بين الموسيقى وحركة الممثلين.
- تشجيع الحوار بين المخرج والمؤلف الموسيقي منذ المراحل الأولى للتحضير.
- فتح الباب للتكنولوجيا مع الحفاظ على قيمة الخبرة الفنية والذائقة الإنسانية.
خلاصة المشهد
ما طرحه المهرجان القومي للمسرح المصري في هذه الجلسة يرسل رسالة واضحة: الموسيقى ليست هامشًا في المسرح. ومع استمرار الدورة التاسعة عشرة تحت رئاسة محمد رياض، يبدو أن إدارة المهرجان تراهن على توسيع النقاش حول العناصر التي تصنع العرض من الداخل، لا الاكتفاء بالاحتفاء بالنجوم أو النتائج النهائية فقط.
وبالنسبة إلى جمهور مصر، وخصوصًا متابعي قسم الموسيقى والمشاهير, فإن هذه الندوة تضع الضوء على مساحة إبداعية غالبًا ما تبقى خلف الستار، رغم أنها من أكثر العناصر قدرة على تشكيل ذاكرة المتفرج. فبين لحن يُمهّد للدخول في الحالة، وأغنية تحمل المعنى، ومؤثر صوتي يضاعف التوتر، تتأكد حقيقة واحدة: أن المسرح الجيد يُرى ويُسمع بالقدر نفسه.