جدل حق الأداء العلني في مصر.. أين تقف النقابات والمنتجون؟
أزمة جديدة في الوسط الفني المصري حول حق الأداء العلني
عاد ملف حق الأداء العلني إلى واجهة النقاش داخل الوسط الفني في مصر خلال الأيام الماضية، بعد تبادل بيانات ومواقف بين النقابات الفنية من جهة، وغرفة صناعة السينما من جهة أخرى. جوهر الخلاف لا يدور فقط حول مبدأ حصول الفنانين والمبدعين على مقابل عند إعادة استغلال أعمالهم، بل يمتد أيضًا إلى شكل التعاقدات، وحدود سلطة المنتج، وما إذا كانت هناك عقود موحدة ينبغي الالتزام بها في الأعمال السينمائية والتليفزيونية.
التحرك الأخير اكتسب زخمًا أكبر بعد إعلان دعم من نقابة المهن السينمائية واتحاد النقابات الفنية لجهود يقودها الفنان وعضو مجلس الشيوخ ياسر جلال في ملف تفعيل حق الأداء العلني لفناني الأداء وحماية الحقوق المجاورة، باعتبار أن القضية تمس عوائد إعادة عرض الأعمال عبر القنوات والمنصات الرقمية ووسائل البث المختلفة.
كيف بدأت الأزمة؟
البداية جاءت مع طرح نقابي يطالب بتنظيم العلاقة التعاقدية بصورة أكثر وضوحًا، بما يضمن - من وجهة نظر النقابات - حماية الحقوق المادية والأدبية للفنانين والمشاركين في صناعة المصنفات الفنية، وعدم إسقاط حق الأداء العلني ببنود تعاقدية تفرغه من مضمونه. هذا الطرح انعكس في بيان تحدث عن عقد جديد يحمي حقوق الفنانين والسينمائيين، ويتضمن بنودًا تتعلق بعدم التنازل عن هذا الحق.
في المقابل، عقدت غرفة صناعة السينما اجتماعًا طارئًا برئاسة المنتج هشام عبد الخالق، وبحضور عدد كبير من المنتجين وممثلين عن قنوات ومنصات، لمناقشة ما وصفته بتبعات تفعيل هذا الملف على الصناعة، خاصة في ما يتعلق ببيع المصنفات واستغلالها تجاريًا. وبحسب تغطيات صحفية مصرية، شارك في الاجتماع أكثر من 40 منتجًا، إلى جانب ممثلين عن جهات عرض، في مؤشر واضح على حجم القلق داخل القطاع الإنتاجي.
موقف غرفة صناعة السينما
البيان الرسمي الصادر عن الغرفة كان حاسمًا في عدة نقاط. أولها أن قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 - بحسب تفسير الغرفة - لم يفرض على المنتجين الالتزام بعقود موحدة صادرة من أي جهة، ولم يمنع الاتفاق على التنازل عن حق الأداء العلني باعتباره من حقوق الاستغلال المالي وليس من الحقوق الأدبية. كما شددت الغرفة على أن سداد مقابل الأداء العلني لا يكون وجوبيًا في كل الحالات، وإنما حين يحتفظ المؤلف أو فنان الأداء بهذا الحق تعاقديًا.
الغرفة ذهبت أبعد من ذلك عندما أكدت أن المنتج يظل صاحب الحق في صياغة العقود التي تضمن له الاحتفاظ بحقوق الاستغلال المالي للمصنفات السينمائية والتليفزيونية، وأن العلاقة التعاقدية يجب أن تبقى محكومة بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين. من زاوية المنتجين، أي إلزام جماعي بنموذج واحد قد يربك منظومة التفاوض والإنتاج، خصوصًا في سوق يواجه أصلًا تحديات تمويل وتسويق وبيع للمنصات.
رد النقابات الفنية: حماية الحقوق لا تعارض مصالح المنتجين
في الرد المقابل، شددت النقابات الفنية على أن التحرك الحالي لا يستهدف الصدام مع المنتجين، بل يهدف إلى استعادة حقوق العاملين في المجال الفني عبر تفعيل مواد القانون ووضع آليات واضحة لتحصيل المستحقات المتعلقة بالأداء العلني والحقوق المجاورة. وأكد البيان المشترك أن حماية الفنانين لا تتناقض مع استقرار الصناعة، بل يمكن أن تكون جزءًا من تنظيم أكثر عدالة للعلاقة بين جميع الأطراف.
كما استندت النقابات إلى أن من أدوارها القانونية كفالة حقوق الأعضاء داخل مصر وخارجها، بما في ذلك الحقوق المرتبطة بالأداء العلني. ووفق تصريحات نُشرت خلال الأيام الماضية، فإن الهدف الأساسي هو خلق نظام يضمن مصدر دخل مستمرًا للفنانين والمبدعين عند إعادة عرض أعمالهم، بدل الاكتفاء بأجر مقطوع لمرة واحدة في كل الأحوال.
ماذا يقول القانون المصري؟
المرجعية الأساسية في هذا الملف هي القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية، وهو الإطار التشريعي المنظم لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في مصر. وتوضح المراجع القانونية المنشورة عبر WIPO Lex أن هذا القانون هو الأساس الذي ينظم استغلال المصنفات وحقوق المؤلفين وفناني الأداء وهيئات الإذاعة، مع تعديلات لاحقة على بعض أحكامه.
كما تُظهر المادة التعريفية المتداولة في النصوص القانونية أن فناني الأداء هم من يمثلون أو يغنون أو يلقون أو يعزفون أو يرقصون أو يؤدون مصنفات أدبية أو فنية، وأن الأداء العلني يُقصد به إتاحة المصنف للجمهور عبر التمثيل أو الإلقاء أو العزف أو البث أو غير ذلك من الوسائل التي يتحقق بها اتصال الجمهور بالمصنف اتصالًا مباشرًا. وهذا التعريف يفسر لماذا يُنظر إلى القضية باعتبارها مرتبطة بإعادة عرض الأعمال واستغلالها أمام الجمهور في صور متعددة، من التلفزيون التقليدي إلى المنصات الحديثة.
ومن المهم أيضًا أن مصر تمتلك اليوم الجهاز المصري للملكية الفكرية، وهو كيان أُنشئ لتنظيم ورعاية وحماية حقوق الملكية الفكرية، مع العمل على تحديث الاستراتيجية الوطنية في هذا المجال. وجود هذا الجهاز يعكس أن ملف الحقوق الفكرية لم يعد شأنًا نقابيًا أو مهنيًا فقط، بل أصبح جزءًا من بنية مؤسسية أوسع تتعامل مع الاقتصاد الإبداعي كأحد عناصر القوة الناعمة والتنمية.
أين تكمن نقطة الخلاف الحقيقية؟
عمليًا، لا يبدو الخلاف دائرًا حول أهمية حماية الفنانين من حيث المبدأ، بل حول كيفية ترجمة هذه الحماية في العقود. النقابات تميل إلى صياغة تضمن عدم سقوط حق الأداء العلني تلقائيًا ضمن الأجر الأساسي، بينما ترى الغرفة أن هذا الحق يمكن الاتفاق بشأنه تعاقديًا، وأن التنازل عنه جائز إذا كان مقابل أجر عادل وواضح.
هذا التباين يفسر التصعيد الحالي: المنتجون يتخوفون من زيادة التكاليف أو تعقيد بيع الأعمال للمنصات والقنوات، فيما يرى الفنانون والمؤلفون أن إعادة استغلال الأعمال على مدى سنوات طويلة يجب أن يترتب عليها عائد متجدد، خصوصًا مع اتساع سوق العرض الرقمي وتكرار البث عبر أكثر من نافذة. وهذه قراءة يمكن استنتاجها من مجمل البيانات الصادرة عن الطرفين خلال الأيام الأخيرة.
لماذا يهم هذا الملف الجمهور وصناعة الدراما والسينما؟
بالنسبة للجمهور المصري، قد يبدو الجدل قانونيًا ومهنيًا في ظاهره، لكنه يمس مستقبل صناعة الدراما والسينما مباشرة. أي تغيير في قواعد التعاقد أو توزيع العوائد قد ينعكس على ميزانيات الإنتاج، وعلى علاقة الفنانين بشركات الإنتاج، وعلى شكل التفاوض بشأن الأعمال الجديدة. وفي المقابل، فإن إقرار آليات واضحة وعادلة قد يسهم في تقليل النزاعات ورفع مستوى الحماية المهنية للمبدعين.
وتأتي حساسية الملف في توقيت يشهد تغيرات متسارعة في سوق المحتوى، حيث أصبحت المنصات الرقمية والقنوات المتخصصة وإعادة التوزيع الإقليمي عناصر أساسية في دورة حياة أي عمل فني، وهو ما يزيد من أهمية تحديد من يملك حق الاستغلال، ومن يحصل على المقابل، ومتى يُسدد، وبأي آلية.
ماذا بعد؟
حتى الآن، لا توجد تسوية نهائية معلنة بين الطرفين، لكن المؤكد أن الملف دخل مرحلة أكثر وضوحًا وعلنية بعد البيانات المتبادلة الصادرة في يوليو 2026. ومن المرجح أن تستمر المناقشات خلال الفترة المقبلة بين النقابات الفنية وغرفة صناعة السينما والجهات التشريعية المعنية، خصوصًا أن القضية تمس توازنًا دقيقًا بين حقوق المبدعين واستقرار الاستثمار الفني.
الخلاصة أن أزمة حق الأداء العلني في مصر لم تعد مجرد خلاف مهني عابر، بل تحولت إلى اختبار مهم لقدرة الصناعة على تحديث قواعدها بما يناسب العصر الرقمي، دون الإخلال بحقوق من يصنعون الفن أو من يمولون إنتاجه. وبين تمسك النقابات بالحماية الأوسع، وتمسك المنتجين بحرية التعاقد، يبقى الحسم النهائي مرهونًا بما ستسفر عنه الجولات المقبلة من التفاوض والتفسير القانوني.