الفنانين الخمسه

حق الأداء العلني في مصر.. لماذا يحتدم الجدل بين الفنانين والمنتجين؟

عودة ملف قديم إلى الواجهة

دخل حق الأداء العلني مجددًا دائرة الجدل داخل الوسط الفني المصري، بعدما أعلنت نقابة المهن التمثيلية برئاسة الدكتور أشرف زكي بدء خطوات تفعيل هذا الحق استنادًا إلى القانون رقم 82 لسنة 2002 الخاص بحماية حقوق الملكية الفكرية. التحرك النقابي جاء باعتباره مسارًا لحماية الحقوق المالية والأدبية لفناني الأداء، لكنه في المقابل قوبل بتحفظات واضحة من غرفة صناعة السينما التي يرأسها المنتج هشام عبد الخالق، وسط نقاش واسع حول أثر ذلك على العقود والإنتاج والمنصات.

وخلال يوليو 2026، تصاعدت وتيرة البيانات والاجتماعات بين الأطراف المعنية. فنقابة المهن التمثيلية أعلنت عقد اجتماع تنظيمي داخلي لبحث الآليات التنفيذية والترتيبات الإجرائية الخاصة بالتفعيل، بينما ناقشت غرفة صناعة السينما في اجتماع طارئ حضره أكثر من 40 منتجًا وممثلون عن قنوات ومنصات، ما وصفته بتبعات القرار على الصناعة وسوق بيع المصنفات الفنية.

ما المقصود بحق الأداء العلني؟

في جوهره، يتعلق هذا الحق بالمقابل المستحق لفناني الأداء عند استغلال أعمالهم عبر البث أو الإتاحة للجمهور أو صور أخرى من الاستعمال العلني، وفق ما ينظمه قانون الملكية الفكرية المصري ضمن منظومة الحقوق المجاورة. ويمنح القانون فناني الأداء حقوقًا أدبية دائمة، مثل نسبة الأداء إلى صاحبه ومنع تشويهه، إلى جانب حقوق اقتصادية تشمل إتاحة الأداء للجمهور أو الترخيص باستعماله، مع النص كذلك على مبدأ المقابل العادل الواحد في بعض حالات الاستخدام التجاري للبث أو الإبلاغ للجمهور، ما لم يوجد اتفاق مغاير بين الأطراف.

كما تُظهر المراجع الدولية الصادرة عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) أن حقوق فناني الأداء تندرج ضمن الإطار الأوسع للحقوق المجاورة، وهي حقوق تعترف بها تشريعات متعددة لحماية الممثلين والمغنين وغيرهم من أصحاب الأداء الفني، خصوصًا في ظل التوسع الرقمي وتعدد وسائل الاستغلال.

لماذا تتمسك النقابات بالتفعيل الآن؟

الطرح النقابي الحالي ينطلق من فكرة أن النصوص القانونية موجودة بالفعل، لكن التطبيق العملي ظل محل جدل لسنوات. وفي البيانات الصادرة مؤخرًا، أكدت نقابتا المهن التمثيلية والمهن السينمائية، إلى جانب جهات فنية أخرى، أن الهدف ليس افتعال أزمة مع المنتجين، بل ضمان حقوق الفنانين والعاملين في المجال الإبداعي ووضع آليات واضحة لتحصيل المستحقات وفق القانون.

الاجتماعات التي عُقدت خلال الأسابيع الأخيرة شهدت حضور أسماء بارزة من الوسط الفني، من بينهم ياسر جلال، كما انتهت بعض اللقاءات إلى تأييد مبدأ التفعيل بالإجماع مع تفويض نقابة المهن التمثيلية باتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة، مع التأكيد على أولوية الحوار والحفاظ على استقرار الصناعة.

أين يعترض المنتجون؟

على الجانب الآخر، لا تنكر غرفة صناعة السينما مبدأ الحق من حيث الأصل، لكنها تعترض على طريقة التفعيل وبعض ما طُرح حول العقود الموحدة وعدم جواز التنازل عن هذا الحق داخل التعاقدات. ووفق البيانات الصادرة عنها، ترى الغرفة أن قانون 82 لسنة 2002 لا يفرض نموذجًا موحدًا للعقود، كما لا يمنع من حيث المبدأ الاتفاق على التنازل عن بعض حقوق الاستغلال المالي متى تم ذلك تعاقديًا وبمقابل واضح.

وتخشى الغرفة أن يؤدي التطبيق بصيغ غير متوافق عليها إلى زيادة الأعباء على المنتجين، خصوصًا في وقت تعاني فيه الصناعة من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتبدل أنماط التوزيع والاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية. كما تشير إلى أن أي تغييرات جوهرية في العلاقة التعاقدية يجب أن تتم بعد مناقشة مع المنتجين باعتبارهم طرفًا أصيلًا في العملية الإنتاجية، لا مجرد جهة تنفيذ.

العقود.. بؤرة الخلاف الحقيقية

إذا كان العنوان العريض للأزمة هو حق الأداء العلني، فإن النقطة الأكثر حساسية تبدو مرتبطة بصياغة العقود بين الفنانين وشركات الإنتاج. فهناك اتجاه نقابي يطالب بعقد نموذجي يضمن عدم الإضرار بالحقوق المستقبلية لفناني الأداء، في حين ترى الغرفة أن مبدأ العقد شريعة المتعاقدين يظل هو الأساس، وأن القانون لم يُلزم الشركات بنمط واحد من التعاقدات.

هذا الخلاف ليس قانونيًا فحسب، بل اقتصادي أيضًا. فالفنان يسعى إلى نصيب عادل من استغلال العمل بعد إنتاجه وعرضه، بينما يقول المنتج إنه يتحمل المخاطرة المالية الأساسية، ومن ثم يجب أن تبقى مساحة التفاوض التعاقدي مفتوحة وفق طبيعة كل مشروع، سواء كان فيلمًا سينمائيًا أو مسلسلًا أو عملًا موجّهًا لمنصة رقمية.

هل يقود الخلاف إلى صدام؟

حتى الآن، المؤشرات المعلنة من الطرفين لا توحي برغبة في التصعيد المفتوح. الدكتور أشرف زكي تحدث في تصريحات صحفية عن تفضيل الحوار والتفاهم، فيما شدد ممثلون عن غرفة صناعة السينما على أن المنتجين ليسوا ضد الحقوق، بل ضد أي آلية يرون أنها غير محسومة قانونيًا أو قد تربك السوق.

ومن زاوية عملية، فإن الوصول إلى صيغة توافقية يبدو ضروريًا أكثر من أي وقت مضى. فالسوق المصرية لا تتحمل نزاعًا طويلًا بين المبدعين والمنتجين، خصوصًا مع تنافسية المنصات، وارتفاع تكاليف التسويق، وتغير عوائد العرض التقليدي مقارنة بسنوات سابقة. كما أن أي ارتباك في بيئة التعاقد قد ينعكس مباشرة على سرعة تنفيذ الأعمال الجديدة.

ماذا يقول القانون باختصار؟

  • القانون 82 لسنة 2002 ينظم حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في مصر.
  • فنانو الأداء يتمتعون بحقوق أدبية لا تقبل التنازل، مثل نسبة الأداء إلى صاحبه ومنع تحريفه.
  • لهم أيضًا حقوق اقتصادية تتعلق بالاستغلال والإتاحة والبث والاستعمال العلني.
  • ينص القانون على مقابل عادل واحد في بعض حالات الاستخدام التجاري للبث أو الإبلاغ للجمهور، ما لم يُتفق على غير ذلك.
  • أحد محاور الجدل الحالية هو تفسير نطاق هذا الاستثناء التعاقدي وآثاره على العقود القائمة والمستقبلية.

السيناريو الأقرب في المرحلة المقبلة

الأرجح أن يشهد الملف خلال الفترة المقبلة المزيد من الاجتماعات الفنية والقانونية بين النقابات والمنتجين، للوصول إلى آلية تنفيذ لا تصطدم بالنصوص القانونية ولا تشل حركة السوق. وقد يكون الحل العملي في وضع ضوابط إرشادية أو نماذج مرنة للعقود تراعي حقوق الفنانين دون فرض صيغة جامدة على جميع أنواع الإنتاج.

في النهاية، لا يبدو الخلاف في مصر اليوم على مبدأ إنصاف الفنان، بل على كيفية حساب الحق وتحصيله وتوثيقه داخل العقود. وبين تمسك النقابات بحماية أعضاءها وحرص المنتجين على استقرار الاستثمار، يبقى الحسم مرهونًا بقدرة الطرفين على تحويل الجدل القانوني إلى تسوية مهنية قابلة للتطبيق.

وبالنسبة للجمهور المصري، فإن هذه القضية قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تمس مستقبل صناعة الدراما والسينما محليًا، لأنها تتصل مباشرة بشكل التعاقد، وعدالة توزيع العوائد، واستدامة الإنتاج الفني في واحد من أهم أسواق المحتوى العربي.