الفنانين الخمسه

خالد عبد السلام: وصول المسرح للمحافظات أساس العدالة الثقافية

المسرح خارج القاهرة.. لماذا تتجدد الدعوة الآن؟

تكتسب فكرة العدالة الثقافية معنى عمليًا حين تتحول من شعار عام إلى فرص تدريب حقيقية للشباب في المحافظات، خصوصًا في مجال المسرح الذي يبقى أحد أكثر الفنون قدرة على اكتشاف الموهبة وصقلها. وفي هذا السياق، شدد الفنان خالد عبد السلام على أهمية أن تصل رسالة المسرح إلى مختلف أنحاء مصر، لا سيما إلى أصحاب الموهبة في الأقاليم، بدلًا من حصر مسارات التعلم والاحتكاك الفني داخل العاصمة فقط.

وتحظى هذه الرؤية باهتمام متزايد داخل المشهد الثقافي المصري، في وقت تواصل فيه المؤسسات الرسمية توسيع برامج التدريب والعروض المسرحية في المحافظات، ضمن توجه يستهدف بناء قاعدة أوسع من الممثلين وصناع العروض خارج المركز التقليدي للحركة الفنية في القاهرة.

من هو خالد عبد السلام؟

يُعرف خالد عبد السلام داخل الوسط المسرحي المصري باعتباره من الأسماء المتخصصة في فن الإلقاء، وهو يعمل ضمن البيت الفني للمسرح، كما يشغل منصب نائب مدير المسرح القومي. وسبق أن قدّم ورشة الإلقاء في المهرجان القومي للمسرح المصري بدورته السابعة عشرة في مايو 2024، حيث قُدمت الورشة مجانًا ضمن البرنامج التدريبي المصاحب للمهرجان، مع تركيز واضح على الجانب العملي في استخدام الصوت والنطق والأداء أمام الجمهور.

هذا الحضور المهني يفسر أهمية تصريحاته عن وصول المسرح إلى المحافظات؛ فهو لا يتحدث من موقع تنظيري فقط، بل من واقع خبرة مباشرة في تدريب الممثلين والهواة، وفي التعامل مع الإلقاء باعتباره أداة مركزية في تكوين الممثل على الخشبة.

العدالة الثقافية من بوابة التدريب المسرحي

الحديث عن العدالة الثقافية في مصر يرتبط، في جوهره، بإتاحة الخدمات والأنشطة الفنية على نطاق جغرافي أوسع. وفي حالة المسرح، لا يقتصر الأمر على تقديم عروض متنقلة أو استضافة فرق من القاهرة، بل يمتد إلى صناعة كوادر محلية داخل المحافظات نفسها: ممثلون، ومخرجون، ومدربون، وعناصر فنية قادرة على استمرار الحركة المسرحية على المدى الطويل.

من هنا تبدو الدعوة إلى الوصول بالمسرح إلى «المواهب في كل مكان» متسقة مع طبيعة الفن المسرحي نفسه؛ فالمسرح لا يعيش فقط بالنجوم، بل بالورش والتدريب والممارسة المستمرة، وبوجود خشبات نشطة في المدن والقرى والمراكز الثقافية. كما أن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة داخل المحافظات يخفف من فجوة الفرص بين أبناء العاصمة وبقية الأقاليم.

كيف تدعم الدولة هذا التوجه؟

الهيئة العامة لقصور الثقافة تواصل خلال 2026 تنفيذ عدد من البرامج التي تخدم هذا المسار، وفي مقدمتها مشروع «ابدأ حلمك» لإعداد الممثل الشامل. ووفق ما أعلنته الهيئة في أغسطس 2026، تستكمل المرحلة الثالثة من المشروع في الإسماعيلية وقنا وشمال سيناء، عبر تدريب متخصص يشمل التمثيل والإلقاء والغناء والرقص والدراما، بهدف بناء شخصية فنية قادرة على التعامل مع عناصر العرض المسرحي المختلفة.

وأوضحت الهيئة أن المشروع انطلق أصلًا للوصول إلى شباب المحافظات، وإتاحة تدريب فني متخصص لهم، بما يوسع قاعدة المشاركة في الفنون ويحول المواهب الجديدة إلى عناصر فاعلة في المشهد الثقافي. كما أشارت إلى أن المراحل السابقة شملت محافظات مثل الفيوم وأسيوط والشرقية في المرحلة الأولى، ثم بورسعيد وبني سويف والجيزة وكفر الشيخ والوادي الجديد في المرحلة الثانية، وهو ما يعكس انتشارًا ملحوظًا خارج القاهرة الكبرى.

«ابدأ حلمك» كنموذج عملي

أهمية «ابدأ حلمك» لا تتوقف عند كونه ورشة عابرة، بل في كونه مشروعًا ممتدًا يراهن على التدريب المنهجي. ففي حفل تخريج الدفعة الثالثة بالإسماعيلية يوم 19 أغسطس 2026، قُدم العرض المسرحي «جاري تحميل الحلم» بوصفه مخرجًا عمليًا لما تلقاه المتدربون خلال ستة أشهر من العمل. وضم البرنامج التدريبي مجالات متعددة مثل التمثيل والموسيقى والرقص والتعبير الحركي والديكور والأزياء، فيما جرى تكريم 50 متدربًا من خريجي الدفعة الثالثة.

هذا النوع من البرامج يمنح التصريحات الداعية إلى نشر المسرح في المحافظات سندًا واضحًا على الأرض؛ فالموهبة لا تكفي وحدها من دون تدريب منتظم، كما أن العرض النهائي يمنح المتدربين لحظة اختبار حقيقية أمام الجمهور، وهي خطوة حاسمة في أي مسار احترافي داخل الدراما والمسرح.

المهرجانات والورش.. حلقة وصل مع السوق الفني

إلى جانب مشروعات قصور الثقافة، تلعب المهرجانات المسرحية دورًا تكميليًا في تأهيل المواهب. فالمهرجان القومي للمسرح المصري برئاسة الفنان محمد رياض ركز في دورته السابعة عشرة على برنامج ورش يربط بين الدراسة والتطبيق، وكان من بينها ورشة الإلقاء التي قدمها خالد عبد السلام. وتبرز أهمية هذه الورش في أنها تمنح الهواة والشباب فرصة الاحتكاك بمدربين محترفين، وتفتح بابًا للتعرف إلى متطلبات الأداء المسرحي بصورة أكثر احترافية.

وبالنسبة للقارئ المهتم بقطاع الدراما والسينما، فإن أثر هذه الورش لا يتوقف عند المسرح وحده؛ فالإلقاء، وضبط الصوت، وبناء الشخصية، والانضباط في الأداء، كلها مهارات تنتقل لاحقًا إلى مجالات التمثيل التلفزيوني والسينمائي أيضًا. لذلك فإن أي توسع في تعليم المسرح بالأقاليم ينعكس، على المدى المتوسط، على سوق التمثيل الأوسع في مصر.

لماذا يهم ذلك جمهور الدراما والسينما في مصر؟

في السنوات الأخيرة، بات واضحًا أن الجمهور المصري يتابع باهتمام أكبر مسارات اكتشاف الوجوه الجديدة، خصوصًا مع الحاجة المستمرة إلى ممثلين يمتلكون أدوات حقيقية لا مجرد حضور عابر على الشاشة. ومن هذه الزاوية، تبدو المطالبة بإيصال المسرح إلى المحافظات شديدة الصلة بمستقبل الدراما والسينما، لأن الخشبة تظل مدرسة أساسية لصناعة الممثل.

كما أن توسيع دوائر التدريب خارج العاصمة يفتح الباب أمام قصص وتجارب ولهجات وخلفيات اجتماعية أكثر تنوعًا، وهو ما تحتاجه الدراما المصرية إذا أرادت التعبير عن الواقع المحلي بصورة أعمق وأكثر اتساعًا. فكلما زادت فرص التدريب في المحافظات، زادت احتمالات ظهور أصوات أداء جديدة تحمل بصمة مختلفة.

المشهد الحالي.. بين التحدي والفرصة

رغم التقدم الملحوظ في برامج التدريب المسرحي بالمحافظات، يبقى التحدي الأكبر في الاستمرارية: استمرار الورش، وتكرار الدفعات، وتوفير خشبات عرض منتظمة، وربط الخريجين بفرق ومشروعات إنتاجية. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن هناك مساحة حقيقية للبناء، خاصة مع إعلان الهيئة العامة لقصور الثقافة نيتها التوسع مستقبلًا ليصل مشروع «ابدأ حلمك» إلى الجامعات المصرية أيضًا.

وفي ضوء ذلك، تبدو رسالة خالد عبد السلام أقرب إلى توصيف دقيق لاحتياج فعلي في المشهد المسرحي المصري: أن يصل الفن إلى أصحاب الموهبة حيثما كانوا، لا أن ينتظر انتقالهم وحدهم إلى المركز. وبين الورش المجانية، ومشروعات إعداد الممثل الشامل، وتجارب التخرج التي تخرج من الأقاليم إلى الخشبة، يتأكد أن المسرح في المحافظات لم يعد مجرد هامش، بل صار جزءًا أساسيًا من مستقبل الحركة الفنية في مصر.

خلاصة المشهد

  • خالد عبد السلام يعد من المتخصصين في فن الإلقاء ويشغل منصب نائب مدير المسرح القومي.
  • قدّم ورشة الإلقاء في المهرجان القومي للمسرح المصري خلال مايو 2024.
  • مشروع «ابدأ حلمك» يواصل خلال 2026 العمل في الإسماعيلية وقنا وشمال سيناء.
  • البرنامج التدريبي يشمل التمثيل والإلقاء والغناء والرقص والدراما ضمن إعداد «الممثل الشامل».
  • تخريج الدفعة الثالثة في الإسماعيلية شهد تكريم 50 متدربًا بعد برنامج استمر 6 أشهر.

وبين التصور النظري للعدالة الثقافية والتطبيق العملي على الأرض، يبقى المسرح أحد أكثر الفنون قدرة على تحويل الموهبة الخام إلى مشروع فني حقيقي، بشرط أن يجد من يذهب إليه، لا أن يظل بعيدًا عنه.