سوزانا ميرغني و"ملكة القطن".. السودان يعود إلى الشاشة
فيلم سوداني من قلب الحقول إلى دوائر المهرجانات
تواصل المخرجة السودانية سوزانا ميرغني ترسيخ اسمها بين الأصوات العربية والأفريقية اللافتة في السينما المعاصرة، عبر فيلمها الروائي الطويل الأول "ملكة القطن" (Cotton Queen)، وهو عمل يعيد النظر في صورة السودان على الشاشة من خلال حكاية تدور داخل قرية زراعية محاطة بحقول القطن. بعيدًا عن التناول الإخباري المباشر، يقترب الفيلم من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة المحلية وأسئلة الهوية، وهي عناصر تمنحه أهمية خاصة لدى جمهور مهتم بالسينما القادمة من المنطقة.
وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو قيمة هذا العمل مضاعفة؛ فالمسافة الثقافية بين مصر والسودان لم تكن يومًا بعيدة، والسينما هنا تفتح بابًا لفهم أعمق لمجتمع شقيق عبر الدراما، لا عبر العناوين العاجلة فقط. لهذا يلفت "ملكة القطن" الانتباه باعتباره فيلمًا ينتمي بوضوح إلى الدراما والسينما، ويقدّم السودان بوصفه فضاءً إنسانيًا غنيًا بالحكايات، لا مجرد خلفية للأحداث السياسية.
ما قصة "ملكة القطن"؟
بحسب البيانات الرسمية للفيلم، تدور الأحداث في قرية سودانية تعتمد على زراعة القطن، حيث تعيش المراهقة نفيسة وسط تأثير قوي لجدتها الست، وهي شخصية محورية داخل المجتمع المحلي. تتغير المعادلة مع وصول رجل أعمال سوداني قادم من الخارج، يحمل خطة تطوير جديدة وبذور قطن معدلة وراثيًا، لتجد نفيسة نفسها في قلب صراع يخص مستقبل القرية والأرض معًا.
هذه الحبكة لا تقدم فقط دراما ريفية، بل تبني مواجهة بين الذاكرة والتحديث، وبين سلطة الحكايات القديمة وإغراءات التغيير السريع. ومن هذه الزاوية، يبدو الفيلم امتدادًا لأسئلة أوسع عن من يملك حق تعريف المستقبل: أصحاب الأرض، أم القادمون بمشروعات جاهزة؟
امتداد لفيلم قصير صنع الانطلاقة
اللافت أن "ملكة القطن" ليس مشروعًا منفصلًا تمامًا عن مسار ميرغني السابق، بل يتقاطع بوضوح مع فيلمها القصير الشهير "الست" (Al-Sit) الصادر عام 2020. هذا الفيلم قدّم أيضًا شخصية نفيسة في بيئة ريفية سودانية، ولفت الأنظار عالميًا بعدما حصد عشرات الجوائز والترشيحات في مهرجانات دولية، بينها تتويجات في مهرجانات معروفة مثل AFI Fest وClermont-Ferrand، كما فاز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة في مصر.
هذا الرابط مهم فنيًا؛ لأن ميرغني لا تعيد تدوير فكرتها ببساطة، بل تطورها من مساحة الفيلم القصير إلى عالم روائي أطول وأكثر تعقيدًا، بما يسمح بتوسيع الشخصيات وبناء صورة أعمق للعلاقات داخل القرية السودانية، خصوصًا علاقة النساء بالأرض والسلطة والعرف.
سوزانا ميرغني.. صوت سينمائي بين السودان والمهجر
سوزانا ميرغني صانعة أفلام وكاتبة وباحثة سودانية تقيم في قطر، ودرست الإعلام ودراسات المتاحف في University College London Qatar. قبل "ملكة القطن"، أنجزت عدة أفلام قصيرة، من بينها Hamour وHind's Dream وCaravan وVirtual Voice. هذا التكوين المتنوع يفسر ميلها إلى الاشتغال على الذاكرة والثقافة البصرية والتفاصيل المحلية بوصفها مادة درامية، لا مجرد ديكور.
وفي تجربة ميرغني ما يلفت أيضًا على مستوى التمثيل الثقافي؛ فهي تنتمي إلى جيل من السينمائيين السودانيين الذين يحاولون استعادة صورة بلدهم عبر الفن، في وقت لا تزال فيه البنية الإنتاجية للسينما السودانية محدودة مقارنة بأسواق عربية أكبر مثل مصر. لذلك فإن وصولها إلى مشروع روائي طويل بهذا الحجم يحمل دلالة تتجاوز الفيلم نفسه.
حضور دولي وإنتاج عابر للحدود
الفيلم من إخراج وكتابة سوزانا ميرغني، وتبلغ مدته 93 دقيقة. وتضم قائمة أبطاله ميهاد مرتضى وربحة محمد محمود وطلعت فريد وحرام بشير ومحمد موسى وحسن كسلا. أما التصوير السينمائي فوقعته فريدا مرزوق، والموسيقى من تأليف أمين بوحافة.
ومن أبرز ما يعكس أهمية المشروع، أنه إنتاج مشترك بين السودان ومصر وفلسطين وقطر والسعودية وفرنسا وألمانيا. هذا النوع من الشراكات صار عنصرًا أساسيًا في إنجاز الأفلام العربية المستقلة، خصوصًا تلك التي تستهدف المهرجانات الدولية وتبحث عن فرص توزيع أوسع. كما فاز الفيلم سابقًا بـجائزة ArteKino ضمن L’Atelier de la Cinéfondation في مهرجان كان عام 2022، وهو ما منح المشروع دفعة مبكرة في رحلة التطوير والإنتاج.
من فينيسيا إلى أوتاوا
نال "ملكة القطن" عرضه العالمي الأول ضمن أسبوع النقاد في فينيسيا 2025، وهي منصة معروفة باكتشاف المخرجين أصحاب الأفلام الروائية الأولى. كما تم اختياره لاحقًا ضمن عروض مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي 2026، في إشارة إلى استمرار حضوره على خريطة المهرجانات بعد انطلاقته الأولى.
وبحسب التغطيات المتخصصة، واصل الفيلم رحلته الدولية بعد فينيسيا، وحقق فوزًا مهمًا كأفضل فيلم في مهرجان سالونيك السينمائي الدولي، كما حصل على جائزة الجمهور في مهرجان الدوحة السينمائي 2025. هذه النتائج تمنح العمل وزنًا إضافيًا، لأنها تكشف عن تقاطع نادر بين التقدير النقدي والتفاعل الجماهيري.
لماذا يهم هذا الفيلم جمهور السينما في مصر؟
لأن "ملكة القطن" لا يقدّم السودان كخبر، بل كعالم درامي متكامل. هذا النوع من الأفلام يهم المتابع المصري الذي يبحث عن سينما عربية جديدة تتجاوز الصيغ التقليدية، وتقترب من مجتمعات المنطقة من داخلها. كما أن وجود مصر ضمن دول الإنتاج المشترك يمنح الفيلم صلة مباشرة بالسوق الثقافي المصري، ويفتح الباب أمام اهتمام أكبر به في دوائر المهرجانات والنوادي السينمائية وربما العروض التجارية المتخصصة.
كذلك، فإن قصة الفيلم، بما تحمله من صراع حول الأرض والحداثة والسلطة العائلية، تلامس موضوعات يعرفها الجمهور العربي جيدًا. لكنها هنا تُروى من منظور سوداني واضح، وبحس بصري يراهن على البيئة المحلية والوجوه الجديدة، لا على النجومية التقليدية.
بين الذاكرة والنجاة
في جوهره، يبدو "ملكة القطن" فيلمًا عن إعادة بناء الوطن على الشاشة. ليس عبر الشعارات، بل عبر فتاة صغيرة، وجدّة تحمل الذاكرة، وقرية تواجه التغيير. وهذه المعادلة هي ما يمنح فيلم سوزانا ميرغني فرادته: أنه يستخرج من تفاصيل الريف السوداني دراما إنسانية قابلة للعبور إلى جمهور عربي ودولي في آن واحد.
ومع تصاعد الاهتمام العالمي بالسينما الأفريقية والعربية القادمة من خارج المراكز الإنتاجية التقليدية، تبدو سوزانا ميرغني اسمًا يستحق المتابعة. وإذا كان "الست" قد عرّف العالم بموهبتها، فإن "ملكة القطن" يرسخها كمخرجة قادرة على تحويل الحكاية المحلية إلى فيلم طويل يحمل لغة سينمائية واضحة، وطرحًا معاصرًا عن الأرض والنساء والمصير.
- اسم الفيلم: ملكة القطن (Cotton Queen)
- الإخراج والسيناريو: سوزانا ميرغني
- المدة: 93 دقيقة
- بطولة: ميهاد مرتضى، ربحة محمد محمود، طلعت فريد، حرام بشير، محمد موسى، حسن كسلا
- العرض العالمي الأول: أسبوع النقاد في فينيسيا 2025
- النوع: دراما سودانية بإنتاج عربي وأوروبي مشترك