الفنانين الخمسه

سوزان نجم الدين: «نهاية رجل شجاع» الأغلى فنياً في مشواري

سوزان نجم الدين تستعيد محطة مفصلية في تاريخها الفني

عادت الفنانة السورية سوزان نجم الدين إلى الواجهة بتصريحات أعادت التذكير بواحدة من أهم مراحل الدراما السورية، بعدما أكدت أن مسلسل «نهاية رجل شجاع» يظل العمل الأغلى في مسيرتها من الناحية الفنية والوجدانية. الحديث لم يكن مجرد استرجاع لنجاح قديم، بل كشف أيضاً عن نظرتها لمسارها المهني، وعن الشخصية التاريخية التي لا تزال تحلم بتقديمها على الشاشة، وهي جوليا دومنا، الإمبراطورة الرومانية ذات الأصول السورية.

وبالنسبة لجمهور الدراما العربية في مصر والمنطقة، فإن هذا النوع من التصريحات يلفت الانتباه مجدداً إلى جيل صنع ملامح انتشار الدراما السورية عربياً في التسعينيات وبداية الألفية، حين تحولت أعمال بعينها إلى علامات راسخة في ذاكرة المشاهدين.

لماذا يبقى «نهاية رجل شجاع» الأقرب إلى سوزان نجم الدين؟

العمل الذي تشير إليه سوزان نجم الدين عُرض تلفزيونياً في 1994، وهو مأخوذ عن رواية للكاتب السوري الكبير حنا مينه، وأخرجه نجدة إسماعيل أنزور. وشارك في بطولته أيمن زيدان في دور «مفيد الوحش»، بينما قدمت سوزان نجم الدين شخصية «لبيبة الشقرق»، وهي من الشخصيات التي ارتبط بها جمهور المسلسل على نطاق واسع.

أهمية هذا العمل لا ترتبط فقط بنجاحه الجماهيري، بل بمكانته داخل تاريخ الدراما السورية نفسها؛ إذ يُنظر إليه بوصفه واحداً من المسلسلات التي كرّست الحضور العربي الواسع للمنتج السوري، بفضل قوته الأدبية وبنيته الدرامية وأداء أبطاله. ومن هنا يمكن فهم وصف سوزان نجم الدين له بأنه الأغلى في مشوارها، لا من زاوية الانتشار فقط، بل لأنه ارتبط بمرحلة تأسيسية في شهرتها عربياً.

من الهندسة إلى التمثيل.. مسار غير تقليدي

سوزان نجم الدين ليست اسماً عابراً في الدراما السورية؛ فهي من الفنانات اللواتي جمعن بين التكوين الأكاديمي والمسار الفني. فبحسب المعلومات المتداولة عنها في قواعد البيانات الفنية المفتوحة، وُلدت في 24 نوفمبر 1966 في دريكيش بسوريا، ودرست الهندسة المعمارية قبل أن تتجه إلى التمثيل وتبدأ مسيرتها منذ أوائل التسعينيات.

هذه الخلفية تفسر جانباً من حضورها المختلف في مقابلاتها العامة؛ إذ تتحدث غالباً عن اختياراتها الفنية بوصفها مشروعاً واعياً، لا مجرد انتقال عابر إلى النجومية. وعلى مدار سنوات، قدمت أدواراً متنوعة في الدراما التلفزيونية والسينما العربية، ونجحت في بناء مكانة خاصة تجمع بين الحضور الجماهيري والصورة الجادة.

حلم مؤجل اسمه جوليا دومنا

من بين أكثر النقاط اللافتة في تصريحات سوزان نجم الدين، تأكيدها رغبتها في تجسيد جوليا دومنا، وهي شخصية تاريخية تمتلك بالفعل مقومات دراما عالمية. فهذه الإمبراطورة كانت زوجة الإمبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس، وتُعد من أبرز نساء الأسرة السيفيرية التي حكمت الإمبراطورية الرومانية ابتداءً من عام 193 ميلادية. كما تشير المصادر المتحفية والتاريخية إلى أن جوليا دومنا وُلدت في حمص السورية، وحملت نفوذاً سياسياً وثقافياً لافتاً داخل البلاط الروماني.

الاهتمام بهذه الشخصية ليس مفاجئاً؛ فالجمع بين الجذور السورية والحضور الإمبراطوري في روما يمنحها ثقلاً درامياً كبيراً، خاصة في زمن تبحث فيه الصناعة العربية عن أعمال تاريخية قادرة على المنافسة بصرياً وسردياً. وبالنسبة إلى جمهور مصر، الذي يملك علاقة قديمة بالأعمال التاريخية والسير الذاتية، فإن مشروعاً من هذا النوع قد يبدو مغرياً إذا وُضع في إنتاج ضخم ومكتوب بعناية.

تصريحات حديثة تعكس مرحلة مصالحة مع الذات

اللافت أيضاً أن ظهور سوزان نجم الدين في الأسابيع الأخيرة تزامن مع أحاديث أخرى عن مسيرتها وموقفها من الاستمرار الفني. ففي تصريحات منشورة حديثاً، شددت على أنها لا تفكر في الاعتزال، وأن لديها ما تريد تقديمه في المستقبل. كما تحدثت في لقاءات أخرى عن شعورها بالتصالح مع العمر والخبرة، وعن أن العودة إلى المسرح أعادت إليها شغف البدايات.

هذا المناخ يوضح أن حديثها عن «نهاية رجل شجاع» لا يأتي من باب الحنين فقط، بل من زاوية مراجعة مسيرة طويلة، والبحث عن الدور التالي الذي يليق باسمها وخبرتها. وهي معادلة ليست سهلة لفنانة ارتبطت بأعمال جماهيرية كبيرة، لأن الجمهور يقارن دائماً بين الحاضر وذروة الماضي.

مكانة خاصة لدى الجمهور المصري

ورغم أن سوزان نجم الدين تنتمي أساساً إلى المشهد السوري، فإن حضورها في مصر لم يكن هامشياً. فقد سبق لها أن تحدثت في لقاءات صحفية مصرية عن قربها من الجمهور المصري، وعن شعورها بعدم الغربة خلال العمل والإقامة في القاهرة. هذه النقطة تفسر استمرار الاهتمام المصري بأخبارها، خاصة أن المشاهد المصري كان من أكثر المتابعين للدراما السورية في فترات ازدهارها، من الأعمال الاجتماعية إلى التاريخية والبدوية.

ومن زاوية تحريرية تخص قسم «فن عالمي»، تبدو قصة سوزان نجم الدين مثالاً جيداً على الفنان العربي الذي تجاوز حدود سوقه المحلي، وأصبح اسماً معروفاً في أكثر من بلد، مع قدرة على إثارة الاهتمام كلما عاد للحديث عن أعمال صنعت ذاكرة جماعية عابرة للحدود.

هل يمكن أن يتحول حلم جوليا دومنا إلى مشروع فعلي؟

حتى الآن، لا توجد معلومات موثقة عن بدء إنتاج عمل درامي أو سينمائي جديد عن جوليا دومنا من بطولة سوزان نجم الدين، لذلك يبقى الأمر في إطار الأمنية الفنية المعلنة. لكن مجرد طرح الاسم يفتح الباب أمام نقاش أوسع: لماذا لا تستثمر الدراما العربية أكثر في الشخصيات التاريخية ذات الجذور المشرقية التي لعبت أدواراً عالمية؟

الإجابة قد ترتبط بعوامل الإنتاج والكتابة والسوق، لكن الواضح أن الشخصية نفسها تملك عناصر جذب كبيرة:

  • خلفية تاريخية موثقة تربط المشرق العربي بروما القديمة.
  • بعد سياسي وثقافي يجعلها أكثر من مجرد شخصية ملكية.
  • إمكانية بصرية عالية تناسب الأعمال الملحمية الحديثة.
  • قابلية للتسويق عربياً ودولياً إذا تم تطوير المشروع باحتراف.

خلاصة المشهد

في المحصلة، تكشف تصريحات سوزان نجم الدين عن فنانة لا تزال تنظر إلى ماضيها بوصفه أساساً تبني عليه، لا عبئاً تهرب منه. اختيارها لمسلسل «نهاية رجل شجاع» كأغلى محطاتها يبدو منطقياً بالنظر إلى قيمته الفنية وموقعه في تاريخ الدراما العربية، فيما يكشف تمسكها بحلم جوليا دومنا عن نزوع واضح نحو الشخصيات المركبة ذات الثقل الحضاري.

وبين عملٍ كلاسيكي رسّخ اسمها قبل أكثر من ثلاثة عقود، وطموحٍ تاريخي لم يتحقق بعد، تظل سوزان نجم الدين واحدة من الوجوه السورية التي حافظت على حضورها في الوعي العربي، مع قدرة مستمرة على إثارة النقاش كلما تحدثت عن الفن، الذاكرة، وما لم يُنجز بعد.