الفنانين الخمسه

سينمائيون عرب يرسخون حضورهم في فينيسيا وكان

السينما العربية تواصل العبور إلى المنصات الكبرى

لم يعد حضور الأسماء العربية في المهرجانات السينمائية الدولية استثناءً عابرًا، بل أصبح مسارًا متصاعدًا تؤكده مشاركات منتظمة في كان وفينيسيا وغيرهما من المنصات الأهم عالميًا. وفي أحدث هذه المحطات، برز اسم المنتج والمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي من جديد مع وصول فيلم "المواطن أسامة" إلى برنامج مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الثالثة والثمانين، المقرر إقامتها بين 2 و12 سبتمبر 2026.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الحضور لا ترتبط فقط بفكرة “التمثيل العربي” في الخارج، بل بما تعكسه هذه المشاركات من تطور حقيقي في لغة السرد والإنتاج وقدرة صناع الأفلام العرب على تقديم قصص محلية بوقع إنساني عالمي. من هنا، تبدو أسماء مثل نادين لبكي ومحمد دياب ورشيد مشهراوي علامات أساسية في مشهد الدراما والسينما العربية خلال السنوات الأخيرة.

رشيد مشهراوي و"المواطن أسامة".. فلسطين حاضرة في فينيسيا

البيانات الرسمية لمهرجان فينيسيا تؤكد إدراج فيلم Al mowaten Osama (Citizen Osama) ضمن برنامج دورة 2026، على أن يُعرض في 6 سبتمبر 2026 بقاعة Astra 2 في ليدو فينيسيا. ويُحسب الفيلم للمخرج أحمد حسونة، فيما يظهر اسم رشيد مشهراوي ضمن فريق الإنتاج من خلال Masharawi Fund for Films & Filmmakers، إلى جانب Coorigines Production وFilcam Media For Media Production. كما يوضح البرنامج الرسمي أن مدة الفيلم 69 دقيقة، ولغته العربية، وهو إنتاج فلسطيني فرنسي مشترك.

وفي التغطيات العربية الحديثة، جرى التعامل مع هذه المشاركة باعتبارها امتدادًا لدور رشيد مشهراوي في دعم السينما الفلسطينية المستقلة، خصوصًا أن الفيلم يوثق حياة الصحفي الفلسطيني أسامة العشي من زاوية إنسانية ومعيشية داخل غزة، وليس فقط من منظور خبري مباشر. كما أشارت تغطيات صحفية مصرية إلى أن الإعلان عن الاختيار الرسمي جاء في يوليو 2026، مع احتفاء واضح بالمشاركة الفلسطينية في واحد من أعرق المهرجانات الدولية.

أهمية هذه الخطوة لا تكمن في اسم المهرجان فقط، بل في أن فينيسيا ما زال يمثل نافذة شديدة التأثير على حركة التوزيع والجوائز، وعلى فرص وصول الأفلام العربية إلى دوائر المشاهدة والنقد العالمي. وهذا ما يفسر الاهتمام المتزايد عربيًا بكل مشاركة رسمية في برامجه، خاصة عندما تأتي من أعمال تحمل قصصًا مرتبطة بالواقع الفلسطيني المعاصر.

نادين لبكي.. اسم عربي ثابت في ذاكرة كان

عندما يُذكر التألق العربي في المهرجانات العالمية، تبقى المخرجة اللبنانية نادين لبكي في مقدمة الأسماء الأكثر حضورًا وتأثيرًا. فالعلاقة بين لبكي ومهرجان كان ليست جديدة أو موسمية، بل ممتدة عبر أكثر من محطة مفصلية في مسيرتها. الموقع الرسمي للمهرجان يصفها كواحدة من الشخصيات التي نسجت علاقة طويلة مع كان، مشيرًا إلى أن فيلمها "كفرناحوم" حصد جائزة لجنة التحكيم عام 2018، كما رُشح لاحقًا لجوائز دولية كبرى من بينها الأوسكار والغولدن غلوب.

وتبرز مسيرة نادين لبكي أيضًا عبر أفلام مثل "سكر بنات" و"وهلأ لوين؟"، وهما عملان رسخا حضورها كمخرجة قادرة على الجمع بين الحس الإنساني والطرح الاجتماعي بلغة بصرية جذابة وقريبة من الجمهور. كما أن لبكي شاركت سابقًا في لجان تحكيم كان، وكان آخر حضور موثق لها ضمن لجنة تحكيم الأفلام الروائية في دورة 2024، بعد أن ترأست من قبل لجنة "نظرة ما" في 2019.

ورغم أن نادين لبكي لا ترتبط هنا بخبر فيلم جديد بعينه، فإن وضع اسمها في أي حديث عن العرب في المهرجانات العالمية يبدو منطقيًا؛ لأنها قدمت نموذجًا لصانعة أفلام عربية استطاعت تحويل الحكاية المحلية إلى خطاب سينمائي مفهوم ومؤثر عالميًا، وهو ما ألهم جيلاً كاملًا من المخرجين والمنتجين في المنطقة.

محمد دياب.. الحضور المصري الذي فتح أبوابًا أوسع

على الجانب المصري، يحتفظ المخرج والكاتب محمد دياب بمكانة خاصة في ملف الحضور العربي داخل المهرجانات الكبرى. فمهرجان كان سجل له واحدة من أبرز المحطات المصرية في العقد الأخير، عندما افتتح فيلمه "اشتباك" قسم "نظرة ما" في دورة 2016. وتؤكد الوثائق الرسمية للمهرجان أن الفيلم كان فيلم الافتتاح لهذا القسم، في إنجاز لافت للسينما المصرية وقتها.

ووفق صفحة محمد دياب الرسمية على موقع مهرجان كان، فإن المخرج المصري عُرف بأعمال تطرح أسئلة المجتمع المصري بشكل مباشر، بدءًا من "678" وصولًا إلى "اشتباك"، كما شارك لاحقًا عضوًا في لجنة تحكيم "نظرة ما" عام 2017. هذا الانتقال من مخرج في الاختيار الرسمي إلى عضو لجنة تحكيم يعكس حجم الاعتراف الدولي الذي حظي به اسمه.

ولم يتوقف حضور دياب عند كان، إذ شارك فيلمه "أميرة" في مهرجان فينيسيا 2021 ضمن قسم Orizzonti بحسب البرنامج الرسمي للمهرجان، ما كرّس استمرارية وجوده في أهم التظاهرات السينمائية الأوروبية.

وبالنسبة للجمهور في مصر، يحمل نموذج محمد دياب قيمة إضافية، لأنه يثبت أن الفيلم المصري القادر على الاشتباك مع أسئلة المجتمع والسياسة والهوية يمكنه أيضًا أن يجد مكانًا محترمًا في دوائر العرض الدولية، من دون أن يفقد خصوصيته أو لغته المحلية.

لماذا يتزايد الحضور العربي في المهرجانات؟

اللافت أن نجاح هذه الأسماء لا يعود فقط إلى الموهبة الفردية، بل إلى مجموعة عوامل تتكرر في تجاربهم: كتابة قوية، موضوعات ذات جذور اجتماعية واضحة، وشبكات إنتاج عابرة للحدود تسمح بوصول الفيلم إلى منصات كبرى. فيلم "المواطن أسامة" مثلًا يمثل إنتاجًا فلسطينيًا فرنسيًا مشتركًا، وهو نموذج بات حاضرًا بقوة في السينما العربية المعاصرة.

كما أن المهرجانات نفسها أصبحت أكثر انفتاحًا على الأصوات القادمة من المنطقة العربية، سواء عبر الاختيارات الرسمية أو برامج الدعم والتطوير وما بعد الإنتاج. وخلال دورة فينيسيا 2026 نفسها، استمر حضور المشاريع العربية والأفريقية في البرامج الموازية، بما يعزز فكرة أن المنطقة لم تعد ضيفًا عابرًا، بل طرفًا حاضرًا في خريطة السينما العالمية.

ملامح هذا التألق العربي في سطور

  • رشيد مشهراوي: حضور متجدد عبر الإنتاج ودعم السينما الفلسطينية، وآخره ارتباطه بفيلم "المواطن أسامة" المشارك في فينيسيا 2026.
  • نادين لبكي: اسم عربي راسخ في كان، مع تتويج "كفرناحوم" بجائزة لجنة التحكيم في 2018.
  • محمد دياب: حضور مصري بارز بدأ بقوة مع "اشتباك" في كان 2016 وتواصل مع "أميرة" في فينيسيا 2021.

قراءة أخيرة للمشهد من زاوية مصرية

ما يحدث اليوم في المهرجانات الكبرى يهم المتابع المصري للسينما أكثر مما يبدو. فكل نجاح عربي جديد يوسع المساحة المتاحة للأفلام القادمة من المنطقة، ويزيد اهتمام الأسواق الدولية بالنصوص والوجوه وشركات الإنتاج العربية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو قصة رشيد مشهراوي و"المواطن أسامة" مجرد خبر مهرجاني، بل فصلًا جديدًا في مسار طويل يشارك في كتابته أيضًا محمد دياب ونادين لبكي وغيرهما من صناع السينما الذين نقلوا الحكاية العربية إلى العالم بلغتها الخاصة.

وفي ظل المنافسة المتزايدة بين المهرجانات والمنصات وشركات التوزيع، يبدو الرهان الحقيقي الآن ليس فقط على الوصول إلى الاختيار الرسمي، بل على تحويل هذا الحضور إلى أثر مستدام: مزيد من الشراكات، ومزيد من فرص العرض، ومزيد من الثقة في أن السينما العربية قادرة على أن تكون جزءًا أصيلًا من المشهد العالمي، لا مجرد استثناء يحتفى به كل حين.