الفنانين الخمسه

شريف صالح: «مجانين أم كلثوم» ترصد سحر صوت لا يشيخ

شريف صالح يعيد أم كلثوم إلى قلب السرد الروائي

عاد اسم الروائي المصري شريف صالح إلى الواجهة بعد ظهوره في برنامج "العاشرة" على قناة إكسترا نيوز مع الإعلامي الدكتور محمد سعيد محفوظ، حيث تحدث عن علاقته الخاصة بفن أم كلثوم، واصفًا إياها بأنها حالة استثنائية في التاريخ المصري، ومؤكدًا أن حضوره الوجداني مع كوكب الشرق كان حاضرًا بقوة أثناء كتابة روايته «مجانين أم كلثوم».

هذا التصريح لا يبدو منفصلًا عن طبيعة العمل نفسه؛ فالرواية، بحسب ما كُشف عنها في مناسبات ثقافية متعددة، لا تتعامل مع أم كلثوم بوصفها سيرة تقليدية لمطربة كبيرة، بل تنطلق من أثر صوتها في الناس، ومن الكيفية التي تحولت بها إلى ذاكرة جمعية ممتدة بين أجيال المصريين والعرب.

ما الذي نعرفه عن رواية «مجانين أم كلثوم»؟

صدرت رواية «مجانين أم كلثوم» عن الدار المصرية اللبنانية، وجرى الإعلان عنها كأحد الإصدارات الجديدة المشاركة في الدورة السادسة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025. وتؤكد البيانات المنشورة عن العمل أن الرواية تقترب من عالم أم كلثوم من زاوية مختلفة، تمزج بين التخييل والتوثيق، وتستفيد من الأثر العاطفي والثقافي الهائل الذي تركته أغانيها في الوعي المصري.

كما أوضحت مناقشات الرواية في الفعاليات الثقافية أن النص لا يكتفي باستدعاء اسم أم كلثوم، بل يبني عالمه على فكرة الافتتان الجماعي بها، وعلى حضور أغانيها في تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يفسر اختيار عنوان مثل «مجانين أم كلثوم» بما يحمله من دلالة على جمهور يتجاوز حدود الإعجاب العادي إلى نوع من التعلّق الوجداني العميق.

بنية روائية تستلهم الأغنية

من بين التفاصيل اللافتة التي جرى الكشف عنها بشأن الرواية أن مقاطعها تأتي في صياغات قصيرة نسبيًا، وأن عددًا من هذه المقاطع يحمل أسماء لأغانٍ شهيرة من رصيد أم كلثوم، مثل «أمل حياتي» و«رق الحبيب» و«ألف ليلة وليلة» و«القلب يعشق كل جميل». هذا البناء يوحي بأن الكاتب لا يستعير اسم المطربة فحسب، بل يستلهم الإيقاع الشعوري الذي صنعته أغنياتها عبر عقود.

وفي مناقشات نقدية للرواية، جرى التأكيد على أن العمل يطرح أم كلثوم بوصفها رمزًا شعبيًا وثقافيًا، لا مجرد نجمة غناء من الماضي. هذه النقطة بالذات تفسر سبب بقاء اسمها حاضرًا حتى الآن في الأدب، والدراما، والاحتفاليات الفنية، والمشهد الثقافي المصري عمومًا.

تصريحات شريف صالح: أم كلثوم ليست مجرد مطربة

في حديثه التلفزيوني، شدد شريف صالح على أن أم كلثوم لم تكن مطربة عادية، بل ظاهرة مصرية كبرى، ووصفها بأنها «معجزة منحها الله لمصر». كما ربط بين نشأتها البسيطة في الريف المصري وبين قدرتها على التحول إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الفن العربي.

هذا المنظور ينسجم مع الجو العام للرواية كما ظهر في التغطيات الثقافية، حيث يبدو أن الكاتب ينطلق من فكرة أن أم كلثوم لم تصنع مجدها بالصوت فقط، بل أيضًا بما مثّلته من صورة للمرأة المصرية الصلبة، القادرة على الانتقال من بيئة محدودة إلى فضاء عربي واسع، من دون أن تفقد هويتها أو صلتها بالمزاج المصري.

لماذا يكتسب العمل أهمية خاصة في مصر الآن؟

الاهتمام بالرواية يأتي في توقيت ثقافي مهم، لأن عام 2025 شهد احتفاءً واسعًا بمرور خمسين عامًا على رحيل أم كلثوم. وقد أعلنت وزارة الثقافة أن 2025 هو «عام أم كلثوم»، مع برنامج فعاليات امتد في القاهرة والمحافظات، شمل حفلات وندوات وعروضًا موسيقية ومبادرات لاكتشاف الأصوات الشابة.

هذا السياق يمنح رواية «مجانين أم كلثوم» بعدًا إضافيًا؛ فهي لا تتحرك في فراغ، بل تدخل إلى مساحة مشحونة أصلًا بالحنين، وإعادة التقييم، والبحث عن معنى استمرار أم كلثوم في الحياة الثقافية المصرية بعد نصف قرن من الغياب الجسدي.

من المتحف إلى المسرح.. حضور لا ينطفئ

ولا يقتصر هذا الحضور على الكتب والحوارات التلفزيونية فقط. فـمتحف أم كلثوم في المنيل لا يزال واحدًا من أبرز الأماكن المرتبطة بذاكرة كوكب الشرق، بينما واصلت المؤسسات الثقافية الرسمية تنظيم فعاليات تستعيد فنها وسيرتها. كما شهدت مناسبات عدة في 2025 احتفاليات رسمية وفنية تؤكد أن اسم أم كلثوم لا يزال جزءًا من القوة الناعمة المصرية.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه المساحة مألوفة للغاية: أم كلثوم ليست شخصية من الماضي البعيد، بل اسم حاضر في البيت، وفي أرشيف الإذاعة، وفي حفلات الموسيقى العربية، وفي ذاكرة العائلة، وحتى في اللغة اليومية حين يقال عن عمل ما إنه يحمل «زمن الطرب الجميل».

من هو شريف صالح؟

شريف صالح كاتب وقاص وصحفي مصري، درس في كلية دار العلوم، وحصل على دبلوم النقد الفني من أكاديمية الفنون، كما نال درجة الدكتوراه في النقد الأدبي. ويملك رصيدًا متنوعًا في القصة والرواية والمسرح، إلى جانب جوائز أدبية معروفة، من بينها جائزة الشارقة للإبداع العربي عن مسرحية «رقصة الديك» عام 2010، وجائزة ساويرس في القصة القصيرة عن «مثلث العشق» عام 2011.

هذا الخلفية تساعد على فهم طبيعة مشروعه في «مجانين أم كلثوم»؛ فهو كاتب يشتبك مع السرد من زاوية نقدية أيضًا، ويبدو مهتمًا بتفكيك العلاقة بين الفن والذاكرة، وبين الظاهرة الجماهيرية والتجربة الفردية.

رواية عن أم كلثوم أم عن جمهورها؟

اللافت في التناول النقدي للرواية أن عددًا من القراءات ركز على أن العمل لا ينشغل بسرد حياة أم كلثوم زمنيًا بقدر ما يهتم بأثرها في من أحبوا صوتها. وهذه نقطة ذكية فنيًا؛ لأن حياة أم كلثوم موثقة على نطاق واسع، أما التأثير الحميم الذي تركته في وجدان المستمعين فهو مساحة أكثر خصوبة للسرد والخيال.

من هنا يمكن فهم العنوان باعتباره مفتاحًا أساسيًا للقراءة: «مجانين أم كلثوم» ليست حكاية عن النجمة وحدها، بل عن الذين عاشوا معها وبها، حتى لو لم يلتقوا بها يومًا. عن الذين تشكلت ذاكرتهم العاطفية على أنغامها، ورأوا في أغنياتها لغة موازية للحب والفقد والانتظار والحنين.

ما الذي يضيفه العمل إلى «فن مصر»؟

في قسم فن مصر تحديدًا، تبدو هذه الرواية مثالًا واضحًا على الأعمال التي تنبع من صميم الهوية الثقافية المحلية. فالموضوع مصري خالص: كاتبه مصري، وبطلته الرمزية مصرية، ومرجعياته الموسيقية والوجدانية مرتبطة بتاريخ المجتمع المصري نفسه.

كما أن العمل يثبت أن أم كلثوم لا تزال مادة حية للإبداع، لا مجرد اسم محفوظ في كتب التاريخ. ومع كل عودة لاسمها، سواء في حفل، أو ندوة، أو رواية، يتأكد أن تأثيرها لم يعد متعلقًا فقط بالأغنية، بل تحوّل إلى بنية ثقافية كاملة تلهم الكتّاب والفنانين والباحثين.

خلاصة المشهد

حديث شريف صالح عن «مجانين أم كلثوم» يعيد تسليط الضوء على عمل روائي يراهن على واحدة من أكثر الشخصيات رسوخًا في الوجدان المصري. وبين صدور الرواية ضمن إصدارات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025، واستمرار الاحتفاء الرسمي والثقافي بذكرى رحيل أم كلثوم الخمسين، يبدو الكتاب جزءًا من موجة أوسع تعيد قراءة الست لا كصوت من الماضي، بل كحضور متجدد في حاضر الثقافة المصرية.

وربما هذه هي الفكرة الأهم في كل ما قاله شريف صالح: أم كلثوم لا تزال قادرة على إنجاب حكايات جديدة، ليس لأنها كانت مطربة عظيمة فقط، بل لأنها تحولت إلى معنى مصري يصعب أن يبهت مع الزمن.