الفنانين الخمسه

عمرو يوسف: الجدل حول الجرأة يبدأ من تغيّر المجتمع

عمرو يوسف يفتح ملف الكتابة والجرأة في السينما

عاد اسم الفنان عمرو يوسف إلى الواجهة بعد تصريحات أثارت اهتمام المتابعين في مصر والعالم العربي، تحدث فيها عن تبدل شكل الكتابة الدرامية والسينمائية، وعن الطريقة التي انعكست بها تحولات المجتمع على طبيعة الأعمال الفنية، كما تناول الجدل القديم المتجدد حول مصطلح السينما النظيفة. وجاءت هذه التصريحات خلال ظهوره في بودكاست "موعد مع لميس" مع الإعلامية لميس الحديدي، في حلقة نُشرت يوم 21 سبتمبر 2026.

أهمية التصريحات لا ترتبط فقط باسم عمرو يوسف، أحد أبرز نجوم جيله، بل لأنها تمس نقاشًا أوسع داخل الصناعة: هل تغيّرت الكتابة فعلًا؟ وهل أصبحت السينما أكثر جرأة، أم فقط أكثر اقترابًا من واقع الناس ولغتهم ومشكلاتهم؟

ماذا قال عمرو يوسف عن أزمة الكتابة؟

بحسب ما ورد في اللقاء، رأى عمرو يوسف أن شكل الكتابة تغيّر عمومًا، وأن هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيرات التي طالت المجتمع نفسه. الفكرة هنا ليست في إدانة جيل أو تمجيد آخر، بقدر ما هي إشارة إلى أن الفن، في النهاية، مرآة لزمنه. وعندما تتبدل أنماط الحياة، تتغير معها اللغة اليومية، والعلاقات، وطريقة التعبير، فينعكس ذلك تلقائيًا على السيناريو والحوار والشخصيات.

هذا الطرح يكتسب وزنه لأن عمرو يوسف لا يتحدث من خارج التجربة، بل من موقع ممثل شارك في أعمال جماهيرية وتجارية ودرامية على مدى سنوات، وشهد تغير ذائقة الجمهور، خصوصًا مع انتقال جزء كبير من المشاهدة من قاعات السينما إلى المنصات الرقمية.

«السلم والثعبان»: الجرأة في الفكرة لا في الاستفزاز

في الجزء الأكثر تداولًا من الحوار، توقف عمرو يوسف عند فيلم "السلم والثعبان: لعب عيال"، وهو العمل الذي قُدم بوصفه امتدادًا جديدًا لاسم سينمائي محفور في ذاكرة الجمهور. وأوضح أن ما يراه في الفيلم هو جرأة على مستوى الفكرة، لا مجرد سعي لصناعة صدمة أو افتعال جدل.

وشرح أن العمل يناقش أزمة منتصف العمر من زاوية مختلفة، عبر رجل يبتعد عن بيته ثم يكتشف أنه ما زال يحب زوجته، لكنه يبحث عن طريقة جديدة لاستعادة هذا الحب داخل مؤسسة الزواج نفسها. هذا التصور، كما عرضه، ينطلق من سؤال بسيط قريب من حياة كثيرين: لماذا تخفت خفة العلاقة بعد الزواج، وهل يمكن استعادة روح البدايات من جديد؟

الفيلم نفسه عُرض في دور السينما المصرية يوم 10 نوفمبر 2025، ويحمل توقيع المخرج طارق العريان، ويشارك في بطولته إلى جانب عمرو يوسف كل من أسماء جلال وظافر العابدين وماجد المصري وحاتم صلاح وفدوى عابد، مع ظهور خاص للفنانة سوسن بدر. كما طُرح رقميًا لاحقًا عبر منصة يانجو بلاي، ما وسّع دائرة النقاش حوله بين جمهور القاعات وجمهور المنصات.

من الفيلم الأصلي إلى النسخة الجديدة

الحديث عن "السلم والثعبان" لا يكتمل من دون العودة إلى الفيلم الأصلي الذي عُرض في مصر يوم 18 يونيو 2001. الفيلم الأول أخرجه وشارك في كتابته طارق العريان، وكتب معه السيناريو والحوار محمد حفظي، ولعب بطولته هاني سلامة وحلا شيحة وأحمد حلمي. وقد ظل حاضرًا في الذاكرة بوصفه واحدًا من أفلام الألفينات التي التقطت مزاج شريحة من الشباب المصري في ذلك الوقت، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقات العاطفية والارتباك الاجتماعي والبحث عن النضج.

ومن هنا يمكن فهم حساسية المقارنة بين العملين؛ فالجمهور لا يقارن بين قصتين فقط، بل بين لحظتين اجتماعيتين مختلفتين تمامًا: مصر في بدايات الألفية، ومصر بعد ربع قرن تقريبًا، حيث تبدلت اللغة والإيقاع اليومي وأدوات التلقي وحتى مساحات الجدل المقبولة على الشاشات.

السينما النظيفة.. مصطلح يرفضه عمرو يوسف

واحدة من أكثر النقاط وضوحًا في حديث عمرو يوسف كانت رفضه لوصف "السينما النظيفة"، إذ اعتبر أن المصطلح نفسه غير دقيق. موقفه هنا يتقاطع مع نقاش ثقافي قديم في مصر، خصوصًا منذ مطلع الألفينات، حين جرى تداول التعبير بكثافة للإشارة إلى نوع من الأفلام التي تتجنب بعض المشاهد أو الإيحاءات أو الألفاظ.

لكن الاعتراض على المصطلح لا يعني، بالضرورة، تبني الطرف المقابل في النقاش، بقدر ما يعني رفض تقسيم السينما أخلاقيًا بهذه البساطة. فحين تُوصف أعمال بأنها “نظيفة”، يصبح ما عداها موضع اتهام ضمني، بينما السينما في الأصل تُقاس فنيًا وإنسانيًا، وتخضع كذلك للتصنيف العمري والسياق الإنتاجي وطبيعة الجمهور المستهدف.

عمرو يوسف ربط الأمر كله بتحولات المجتمع، معتبرًا أن ما جرى في الشارع المصري، وفي أنماط الملبس والخروج واللغة والتفاعل اليومي، ترك أثره الطبيعي على شكل الأعمال الفنية. وهذه الفكرة، سواء اتفق معها البعض أو اختلفوا، تظل منطقية من زاوية أن السينما ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل جزء من صورته المتحركة.

بين إرضاء الجمهور والمخاطرة الفنية

في حديثه أيضًا، شدد عمرو يوسف على أن همه الأول كممثل هو أن يقدم عملًا يعجب الناس. لكن هذه الرغبة لا تلغي، في نظره، حق الفنان في المخاطرة والذهاب إلى مناطق مختلفة قد لا ترضي الجميع. وهذه معادلة معروفة في الصناعة: كيف تحافظ على التواصل مع الجمهور، من دون أن تتحول إلى تكرار آمن يخلو من المغامرة؟

اللافت أن هذا التوازن يظهر بوضوح في مسار عمرو يوسف نفسه، الذي تنقل بين أعمال جماهيرية واسعة الانتشار وأخرى راهنت على الطابع الدرامي أو التركيبات النفسية، وهو ما يمنح تصريحاته ثقلًا يتجاوز حدود الترويج لفيلم بعينه.

لماذا يهم هذا النقاش القارئ المصري والعربي؟

في مصر، لا تُستقبل مناقشات السينما بوصفها شأنًا فنيًا خالصًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من حوار أكبر حول الذوق العام، والهوية، ومساحة الحرية، وحدود ما يمكن قبوله على الشاشة. لذلك فإن أي تصريح عن الجرأة في السينما المصرية أو عن تغير الكتابة يتحول سريعًا إلى نقطة اشتباك ثقافي بين من يرى الفن انعكاسًا للواقع، ومن يريده أداةً للتهذيب أو الحماية أو المحافظة.

ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات عمرو يوسف أكثر من مجرد تعليقات عابرة على فيلم. إنها تدخل مباشرة إلى قلب سؤال لا يزال مطروحًا بقوة: هل على السينما أن تهادن الحساسية الاجتماعية السائدة، أم أن دورها أن تقترب من المناطق المعقدة كما هي، حتى لو أثار ذلك اعتراضًا أو انقسامًا؟

خلاصة المشهد

ما قاله عمرو يوسف يضعنا أمام معادلة واضحة: الكتابة تتغير لأن المجتمع يتغير، والجرأة ليست هدفًا في حد ذاتها بل وسيلة لطرح فكرة بصدق، أما السينما النظيفة فهي، في نظره، تسمية ملتبسة أكثر مما هي توصيف دقيق. وبين الفيلم الأصلي الذي صدر عام 2001 والنسخة الجديدة التي وصلت إلى الجمهور في 2025، تتبدى المسافة بين زمنين، لكل واحد منهما لغته وقلقه وأسئلته.

وبالنسبة إلى جمهور الفن العربي في مصر والمنطقة، فإن هذا النوع من التصريحات يعيد فتح باب النقاش حول مستقبل السينما المصرية: هل تمضي نحو واقعية أكبر؟ أم نحو جرأة محسوبة؟ أم أنها، ببساطة، تواصل التبدل مع تبدل الناس أنفسهم؟