الفنانين الخمسه

عمر خيرت: فاتن حمامة فتحت لي باب السينما

عمر خيرت يستعيد البداية التي غيّرت مساره الفني

عاد اسم الموسيقار الكبير عمر خيرت إلى واجهة اهتمام جمهور الفن في مصر بعد ظهوره في برنامج "معكم منى الشاذلي" على شاشة ON، حيث فتح صفحة شديدة الأهمية من تاريخه المهني، وتحدث عن اللحظة التي اعتبرها نقطة التحول الحقيقية في دخوله عالم الموسيقى التصويرية. هذه اللحظة ارتبطت باسم الفنانة الراحلة فاتن حمامة، التي لم تكن مجرد نجمة كبيرة في تاريخ السينما المصرية، بل كانت أيضًا صاحبة دور مباشر في منحه فرصة مبكرة غيّرت اتجاه مشواره.

وبحسب ما رواه خيرت خلال الحلقة، فإن البداية لم تأت من تخطيط مسبق، بل من مصادفة سمعته فيها فاتن حمامة يعزف ويقدم ارتجالات موسيقية، فأبدت إعجابها بما يقدمه، قبل أن تتصل به بعد أيام وتطلب منه وضع موسيقى لعمل إذاعي بعنوان "قطرات الندى"، وهو عمل كانت تلقي فيه الأشعار بصوتها. وبعد هذه الخطوة، عاد اسم عمر خيرت إليها مجددًا عندما قررت خوض تجربة فيلم "ليلة القبض على فاطمة"، لتختاره هذه المرة مؤلفًا للموسيقى التصويرية للفيلم.

من "قطرات الندى" إلى الشاشة الكبيرة

أهمية هذه الشهادة لا تتوقف عند بعدها الإنساني، بل تمتد إلى قيمة تاريخية في مسار الموسيقى المصرية الحديثة. خيرت أوضح أن العمل مع فاتن حمامة في "قطرات الندى" كان بمثابة باب أولي للدخول إلى هذا العالم، ثم جاءت الفرصة الأكبر مع "ليلة القبض على فاطمة"، وهو الفيلم الذي عُرض عام 1984 وشهد بدايته الفعلية في مجال الموسيقى التصويرية للسينما.

وذكر خيرت أنه شعر وقتها بقدر كبير من القلق والمسؤولية، لأنه لم يكن قد خاض تجربة تأليف موسيقى تصويرية لفيلم من قبل. لذلك كان يتابع التصوير بنفسه، ويحرص على الاقتراب من تفاصيل المشاهد، حتى يتمكن من بناء موسيقى تخرج من روح الحكاية نفسها، لا أن تكون مجرد خلفية مصاحبة لها.

كيف وُلدت موسيقى "ليلة القبض على فاطمة"؟

من أكثر التفاصيل اللافتة التي كشفها عمر خيرت أن تصوير جزء من الفيلم في بورسعيد كان له أثر مباشر على التكوين الموسيقي للعمل. خلال وجوده هناك، استمع إلى عزف السمسمية، وهي آلة ترتبط وجدانيا بالمدينة وتاريخها الشعبي والوطني، فاستلهم منها الإيقاع والملامح التي ساعدته في صياغة التيمة الموسيقية الأشهر للفيلم.

هذا الربط بين بيئة الحدث والصوت الموسيقي يفسر لماذا بقيت موسيقى الفيلم حاضرة في الذاكرة المصرية حتى اليوم. فالفيلم نفسه يتقاطع مع لحظات من تاريخ بورسعيد والمقاومة الشعبية، وهو ما جعل اختيار ملمح موسيقي قريب من روح المكان قرارًا فنيًا بالغ الذكاء، عزز من قوة التأثير الدرامي.

فيلم مفصلي في تاريخ السينما المصرية

يمثل "ليلة القبض على فاطمة" واحدة من العلامات البارزة في رصيد السينما المصرية في الثمانينيات. الفيلم أخرجه هنري بركات، وقامت ببطولته فاتن حمامة في دور فاطمة، إلى جانب شكري سرحان وصلاح قابيل ومحسن محيي الدين ونبيلة حسن ونعيمة الصغير، بينما تدور أحداثه حول امرأة تتحمل مسؤولية أسرتها وسط تحولات اجتماعية وسياسية معقدة، قبل أن تتكشف خيوط الصراع داخل العائلة على خلفية تاريخ يمتد إلى سنوات المقاومة في بورسعيد.

هذا الثقل الدرامي والإنساني منح الموسيقى مساحة استثنائية داخل الفيلم، فلم تكن مجرد عنصر مكمل، بل أصبحت جزءًا من الهوية الشعورية للعمل. وربما لهذا السبب ظل اسم الفيلم مرتبطًا في ذاكرة قطاعات واسعة من الجمهور بموسيقاه بقدر ارتباطه بأداء أبطاله.

نجاح الموسيقى خارج الفيلم

من النقاط التي توقف عندها عمر خيرت أيضًا أن موسيقى "ليلة القبض على فاطمة" حققت صدى واسعًا بعد عرض الفيلم، إلى درجة أنها طُرحت على شريط مستقل، في سابقة لافتة في السوق العربية بالنسبة لموسيقى تصويرية تُباع للجمهور بوصفها مادة سمعية قائمة بذاتها. هذا النجاح منح خيرت دفعة قوية في مرحلة مبكرة، ورسّخ حضوره لاحقًا كأحد أهم مؤلفي الموسيقى التصويرية في مصر.

وبالنظر إلى ما تحقق بعد ذلك، يبدو واضحًا أن هذه الفرصة المبكرة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل تأسيسًا لمسيرة طويلة أصبحت فيها أعمال عمر خيرت جزءًا من الوجدان الفني المصري، سواء عبر السينما أو الدراما التلفزيونية أو الحفلات الجماهيرية.

فاتن حمامة ودورها في اكتشاف المواهب

حديث عمر خيرت أعاد أيضًا التذكير بجانب مهم في شخصية فاتن حمامة المهنية، وهو حرصها على الالتفات إلى العناصر الفنية القادرة على إضافة قيمة حقيقية للعمل. فاختيارها له في هذه المرحلة المبكرة يكشف عن حس فني دقيق، لا سيما أن النتيجة النهائية أثبتت أن الرهان كان في محله.

في الوسط الفني المصري، كثيرًا ما ارتبط اسم فاتن حمامة بالانضباط والاختيارات المدروسة، سواء على مستوى النص أو الإخراج أو شركاء العمل. ومن هذه الزاوية، تبدو حكاية عمر خيرت معها أكثر من مجرد ذكرى شخصية؛ إنها شهادة على لحظة التقت فيها خبرة نجمة كبيرة مع موهبة موسيقية كانت على وشك الانطلاق.

لماذا يهم هذا الحديث جمهور اليوم؟

اللافت أن هذه القصة لا تستمد أهميتها من الحنين فقط، بل من قدرتها على تفسير كيف تُصنع اللحظات الفارقة في الفن المصري. فمشوار عمر خيرت، الذي امتد لاحقًا إلى عشرات الأعمال المؤثرة، بدأ من ثقة منحتها له فاتن حمامة في وقت مبكر، ثم من اجتهاد شخصي دفعه إلى متابعة التصوير والبحث عن نغمة صادقة تناسب دراما الفيلم.

وبالنسبة لجمهور فن مصر، فإن استعادة هذه التفاصيل اليوم تعني العودة إلى واحدة من القصص التي تكشف كيف تتشابك السينما والموسيقى في صناعة الذاكرة الثقافية. كما أنها تفتح الباب أمام قراءة جديدة لفيلم "ليلة القبض على فاطمة"، ليس فقط بوصفه عملًا تمثيليًا مهمًا، بل كذلك باعتباره الشرارة الأولى التي دشنت حضور عمر خيرت القوي في عالم الموسيقى التصويرية.

محطة لا تزال حية في الذاكرة

بعد عقود من عرض الفيلم، ما زالت الحكاية تحتفظ ببريقها؛ لأن أبطالها ينتمون إلى قامات استثنائية في الثقافة المصرية: فاتن حمامة بصفتها رمزًا راسخًا في تاريخ السينما، وعمر خيرت باعتباره أحد أهم صناع الموسيقى التصويرية في العالم العربي. وبين الاسمين تقف "ليلة القبض على فاطمة" كعمل جمع الفن والذاكرة والتاريخ، وخلّد بداية مسار موسيقي ما زال ممتدًا في وجدان الجمهور المصري حتى الآن.

  • البرنامج: معكم منى الشاذلي
  • القناة: ON
  • العمل المحوري: ليلة القبض على فاطمة
  • سنة عرض الفيلم: 1984
  • الإخراج: هنري بركات
  • البطولة: فاتن حمامة، شكري سرحان، صلاح قابيل