الفنانين الخمسه

«غيبة مي» لنجوى بركات: رواية الشيخوخة على حافة بيروت

نجوى بركات تعود إلى سؤال العمر والوحدة في «غيبة مي»

تطرح رواية «غيبة مي» للكاتبة اللبنانية نجوى بركات أسئلة ثقيلة عن الشيخوخة، والذاكرة، والعزلة، لكن من دون خطاب مباشر أو وعظي. العمل، الصادر عن دار الآداب في 2025، يختار أن يقترب من يوميات امرأة مسنّة تعيش وحدها في بيروت، لتتحول التفاصيل الصغيرة داخل الشقة إلى مرآة أوسع لانكسار الإنسان والمدينة معًا.

وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لحركة الأدب العربي، تبدو الرواية لافتة لأنها لا تتعامل مع التقدم في السن بوصفه مرحلة بيولوجية فقط، بل باعتباره اختبارًا قاسيًا للهوية والذاكرة والعلاقات. هذا ما جعل «غيبة مي» تحضر بقوة في النقاش النقدي العربي خلال العامين الماضيين، خصوصًا بعد وصولها إلى القوائم الأدبية البارزة، وفي مقدمتها القائمة الطويلة ثم القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.

ماذا نعرف عن الرواية؟

البيانات المتاحة عن الكتاب تشير إلى أن «غيبة مي» صدرت عن دار الآداب في بيروت عام 2025، وأنها تتمحور حول شخصية امرأة متقدمة في العمر تعيش في شقة مطلة على البحر في بيروت، فيما تتقاطع حياتها الخاصة مع صورة بلد يمر بانهيار طويل ومركّب. كما تظهر في المادة التعريفية والقراءات النقدية إشارات واضحة إلى أن البطلة في العقد التاسع من عمرها، وأن السرد يشتبك مع تبدلات المدينة اللبنانية منذ احتجاجات 2019 وصولًا إلى أزمات العملة والمصارف وما بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020.

هذا الربط بين اهتزاز الذاكرة الفردية وخراب المجال العام هو أحد أهم مفاتيح الرواية. فمي لا تغيب وحدها، بل تبدو كأنها تحمل في جسدها ووعيها قصة مكان يتفكك ببطء. وهنا تكمن قوة النص: المدينة ليست خلفية محايدة، بل شريك أساسي في الدراما.

بيروت ليست ديكورًا.. بل شخصية موازية

في كثير من الروايات العربية، تظهر المدن كأسماء أو محطات. أما في «غيبة مي» فبيروت تبدو أكثر من ذلك بكثير. هي مكان الذاكرة، ومسرح الخسارة، ومخزن الصور التي تتقدم وتتراجع داخل وعي البطلة. الشقة، الشرفة، البحر، العمارة، والخدمات اليومية التي تحتاجها امرأة مسنّة؛ جميعها تتحول إلى عناصر سردية تكشف هشاشة الإنسان حين يضيق عالمه الخارجي.

هذا البعد يهم القارئ العربي عمومًا، والمصري خصوصًا، لأن العلاقة بين المدينة وسكانها مسألة شديدة الحضور في أدب المنطقة. ومن هنا يمكن فهم الرواية ليس فقط كحكاية امرأة لبنانية، بل كعمل عن المصير الإنساني حين يتراجع الإحساس بالأمان والقدرة على الإمساك بالحياة.

نجوى بركات ومسار أدبي طويل

تنتمي نجوى بركات إلى جيل روائي لبناني صنع لنفسه مكانة واضحة في المشهد الثقافي العربي. وهي كاتبة لبنانية مقيمة في باريس، وسبق أن ارتبط اسمها بعدة أعمال روائية معروفة، بينها «باص الأوادم». ويأتي «غيبة مي» امتدادًا لاهتمامها بالشخصيات المأزومة نفسيًا واجتماعيًا، لكن مع تركيز أوضح هذه المرة على أسئلة التقدم في العمر، والفقد، والعلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر.

كما أن وصول الرواية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عزز حضورها في السوق الثقافية العربية، وهي نقطة مهمة بالنسبة للقراء في مصر، حيث تؤثر هذه القوائم عادة في حركة القراءة والطلب على الإصدارات العربية الجديدة، خصوصًا في المكتبات الكبرى ومعارض الكتب.

عن ماذا تتحدث «غيبة مي» في العمق؟

على مستوى الحكاية، نحن أمام امرأة تعيش عزلة ثقيلة، لكن الرواية لا تكتفي بوصف الوحدة. هي تسأل: ماذا يبقى من الإنسان حين تبدأ الذاكرة في المراوغة؟ كيف يصبح الجسد نفسه مصدر قلق يومي؟ وكيف تتغير علاقة الشخص بماضيه حين يفقد السيطرة على الحاضر؟

هذه الأسئلة تمنح العمل بعدًا وجوديًا، وتجعله قريبًا من القراء الذين يفضلون الرواية النفسية ذات الحس التأملي. وفي الوقت نفسه، فإن اختيار بطلة مسنّة له دلالة خاصة في الأدب العربي المعاصر، الذي غالبًا ما يمنح مركز السرد للشباب أو الأجيال الوسطى. هنا، تذهب نجوى بركات إلى منطقة أقل تمثيلًا، فتمنح الشيخوخة صوتًا سرديًا كاملًا.

أبرز الثيمات التي يشتغل عليها النص

  • الشيخوخة بوصفها تجربة معيشة لا مجرد رقم عمري.
  • الوحدة وما تخلقه من هشاشة وانكشاف داخلي.
  • الذاكرة بوصفها ساحة صراع بين ما بقي وما يتبدد.
  • بيروت كمدينة تعكس تدهور الفرد والمجتمع.
  • الزمن كقوة ضاغطة تعيد ترتيب العلاقات والهوية.

لماذا تهم هذه الرواية القارئ في مصر؟

رغم أن الأحداث تنتمي إلى السياق اللبناني، فإن موضوعات الرواية عربية وإنسانية بامتياز. فالعزلة داخل المدن الكبيرة، وابتعاد الأبناء، وتراجع الأدوار الاجتماعية في الكبر، كلها قضايا مألوفة في مجتمعاتنا. ولهذا يمكن استقبال «غيبة مي» في مصر باعتبارها رواية عن لبنان، نعم، لكنها أيضًا عن هشاشة الإنسان العربي حين يواجه الزمن منفردًا.

ومن زاوية فن عربي، فإن العمل يندرج ضمن موجة لافتة في السرد اللبناني الحديث، حيث تتقاطع الحكاية الفردية مع التصدعات الوطنية الكبرى. وهذه سمة منحت الرواية اللبنانية، منذ عقود، قدرة خاصة على تحويل اليومي والشخصي إلى مادة ثقافية تتجاوز الحدود المحلية.

بين النجاح النقدي والرهان على القراء

الاهتمام الذي حصدته الرواية نقديًا لا يعني أنها عمل سهل أو خفيف. بالعكس، يبدو أنها تراهن على قارئ مستعد للتأمل والصبر والانخراط في طبقات النفس والمدينة. لكن هذا تحديدًا ما يمنحها خصوصيتها وسط سوق نشر عربي ينجذب أحيانًا إلى الإيقاع السريع والحبكات المباشرة.

واللافت أن حضور «غيبة مي» في القوائم الأدبية ساعد على توسيع دائرة الاهتمام بها خارج لبنان، وهو ما يفتح الباب أمام استقبال أكبر لها في مصر، خاصة بين جمهور الرواية العربية الحديثة وقرّاء الجوائز والمهتمين بالأدب النسائي والسرد النفسي.

خلاصة المشهد

في «غيبة مي»، لا تكتب نجوى بركات عن امرأة مسنّة فقط، بل عن زمن كامل يتآكل. تجعل من الشقة عالمًا، ومن الذكرى حدثًا، ومن بيروت صورة كبرى لانكسار يخص المنطقة كلها. لذلك تبدو الرواية واحدة من الأعمال العربية الجديرة بالالتفات في الموسم الثقافي الأخير: نص عن الغياب، نعم، لكنه أيضًا عن كل ما يبقى حاضرًا عندما يظن الإنسان أن العالم ينسحب من حوله.

وبهذا المعنى، فإن الرواية لا تقدم مأساة شخصية معزولة، بل تضع القارئ أمام سؤال صعب وبسيط في آن واحد: كيف نحيا عندما يصبح ما فقدناه أكبر مما تبقى لنا؟