الفنانين الخمسه

فعاليات ثقافية في مصر تستعيد إرث نجيب محفوظ ورياض السنباطي

أجندة ثقافية مصرية تستحضر رمزين من ذاكرة الإبداع

تشهد الساحة الثقافية في مصر اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 مجموعة من الفعاليات التي تعيد فتح ملفات الذاكرة الفنية والأدبية، وفي مقدمتها الاحتفاء باسمين كبيرين هما نجيب محفوظ ورياض السنباطي. وبين ندوة تتناول حضور الأغنية في عالم محفوظ، وأمسية تستعيد أثر السنباطي في الموسيقى العربية، تبدو القاهرة اليوم أمام برنامج يربط بين الأدب واللحن، وبين التراث المصري وقيمته المستمرة في المجال الثقافي العربي والعالمي.

وتأتي هذه الفعاليات في وقت تواصل فيه مؤسسات وزارة الثقافة المصرية برامجها الخاصة بإحياء أعمال الرموز الكبرى، خصوصًا مع مرور 20 عامًا على رحيل نجيب محفوظ، الأديب المصري الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1988 بوصفه أول أديب عربي ينالها. كما يتزامن الاحتفاء برياض السنباطي مع اقتراب ذكرى رحيله السنوية في 10 سبتمبر، ما يمنح هذا الأسبوع طابعًا خاصًا لعشاق الموسيقى العربية الكلاسيكية.

ندوة عن الأغنية في عالم نجيب محفوظ بدار الكتب

أبرز فعاليات اليوم تبدأ صباحًا من دار الكتب القومية، حيث تنظم الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ندوة بعنوان «الأغنية في عالم نجيب محفوظ» في الساعة 11 صباحًا داخل قاعة علي مبارك. وتقام الفعالية تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة، والدكتور أسامة طلعت رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، بينما تتولى الإدارة المركزية لدار الكتب برئاسة الدكتور مينا رمزي تنظيم الندوة من خلال قاعة الموسيقى بإدارة رشا أحمد.

الندوة لا تتوقف عند استدعاء اسم محفوظ كروائي فقط، بل تركز على جانب أقل تداولًا في الحديث عنه، وهو العلاقة بين الأدب والموسيقى داخل عالمه الإبداعي. وبحسب التفاصيل المنشورة عن الفعالية، فإن النقاش يتناول حضور الغناء والموسيقى في أعماله، وكيف تعاملت السينما والتلفزيون والإذاعة المصرية مع نصوصه، سواء عبر الألحان أو الأغنيات أو الموسيقى التصويرية أو حتى التترات التي ارتبطت بالأعمال المقتبسة من رواياته. كما تشمل الندوة الاستماع إلى نماذج مختارة من هذه الأعمال مع التعريف بصناعها من شعراء وملحنين ومطربين.

أهمية هذه المقاربة أنها تعيد تقديم نجيب محفوظ لا بوصفه صاحب نصوص أدبية فقط، بل ككاتب امتدت تأثيراته إلى الفنون السمعية والبصرية. فالكثير من رواياته تحولت عبر العقود إلى أفلام ومسلسلات شكّلت جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية والعربية، وهو ما يفسر استمرار حضوره في البرامج الثقافية الرسمية هذا العام، سواء عبر الندوات أو المؤتمرات أو العروض السينمائية المرتبطة بمنجزه.

«عام نجيب محفوظ» يواصل تمدده في المؤسسات الثقافية

الاحتفاء الحالي باسم نجيب محفوظ ليس فعالية منفصلة، بل يأتي ضمن مسار أوسع أُعلن عنه مؤخرًا تحت عنوان «عام نجيب محفوظ» من متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ في تكية محمد أبو الدهب بمنطقة الدرب الأحمر في القاهرة. وقد أطلق صندوق التنمية الثقافية هذا البرنامج تزامنًا مع الذكرى العشرين لرحيل الكاتب، بهدف إعادة تقديم تراثه للأجيال الجديدة من خلال ندوات، وإصدارات، وأنشطة فنية وفكرية على مدار العام.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الزخم حول محفوظ يحمل دلالة مضاعفة: الأولى مرتبطة بقيمته كاسم عالمي خرج من القاهرة القديمة إلى المنصة الأوسع في الأدب الدولي، والثانية تتعلق بقدرته المستمرة على إلهام المؤسسات الثقافية في صياغة برامج تربط التراث بالحاضر. ولهذا لم يعد استدعاء محفوظ في 2026 مجرد مناسبة تذكارية، بل تحول إلى مشروع ثقافي ممتد يعيد قراءة أعماله من زوايا مختلفة، من السرد إلى السينما ثم الموسيقى.

بيت السناري يستعيد رياض السنباطي مساءً

في المساء، تنتقل بوصلة الاهتمام إلى بيت السناري بحي السيدة زينب في القاهرة، حيث تقام في الساعة 7 مساءً أمسية بعنوان «محراب النغم.. ذكرى رياض السنباطي». وتركز الفعالية على استعادة سيرة أحد أهم ملحني القرن العشرين في العالم العربي، في مناسبة تستحضر إرثه الموسيقي ومكانته في تشكيل الذائقة الغنائية العربية.

رياض السنباطي، المولود عام 1906 والمتوفى في 10 سبتمبر 1981، يعد من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ التلحين العربي الحديث، وخصوصًا عبر أعماله مع أم كلثوم. ولا تزال ألحانه تُعامل بوصفها مرجعًا في بناء الجملة الموسيقية العربية وتطوير القصيدة الغنائية، وهو ما يفسر بقاء اسمه حاضرًا بقوة في الأمسيات المتخصصة التي تستعيد رموز الطرب الكلاسيكي.

هذا النوع من الفعاليات يكتسب قيمة إضافية لأنه لا يكتفي بالبعد التذكاري، بل يفتح بابًا جديدًا أمام جمهور اليوم، خصوصًا الأجيال الأصغر، للتعرف إلى مسيرة فنانين شكّلوا الوجدان السمعي العربي لعقود. وفي حالة السنباطي تحديدًا، فإن العودة إلى تجربته تعني العودة إلى مدرسة كاملة في التلحين اعتمدت على العمق المقامي، والبناء الطويل، والتوازن بين الكلمة واللحن.

كيف تبدو خريطة الفعاليات الثقافية اليوم؟

بعيدًا عن الحدثين الرئيسيين، تشير الأجندة الثقافية المنشورة اليوم إلى تنوع واضح في الفعاليات التي تنظمها قطاعات الثقافة الرسمية في القاهرة والمحافظات، بما يشمل محاضرات توعوية، ولقاءات أدبية، وعروضًا فنية، وأنشطة مفتوحة للجمهور. كما تواصل الهيئة العامة لقصور الثقافة تنفيذ برامج أوسع هذا الشهر، بينها مشروع «المواجهة والتجوال» الذي يضم نحو 250 فعالية تستهدف توسيع الوصول إلى العروض الفنية خارج المراكز الرئيسية.

هذا التنوع يعكس توجهًا رسميًا نحو توسيع نطاق الإتاحة الثقافية، وعدم قصر النشاط على النخب أو على العاصمة وحدها. لكن القاهرة تظل اليوم مركز الثقل الأبرز، خصوصًا مع وجود فعاليات مرتبطة بأسماء ذات ثقل عالمي مثل نجيب محفوظ، وأخرى تستحضر قامات موسيقية صنعت جزءًا أساسيًا من الهوية الفنية المصرية.

أبرز مواعيد اليوم

  • 11:00 صباحًا: ندوة «الأغنية في عالم نجيب محفوظ» في قاعة علي مبارك بدار الكتب القومية.
  • 7:00 مساءً: أمسية «محراب النغم.. ذكرى رياض السنباطي» في بيت السناري بالسيدة زينب.

لماذا يهم هذا المشهد القارئ المصري اليوم؟

لأن استعادة نجيب محفوظ ورياض السنباطي في يوم واحد ليست مجرد مصادفة في جدول الفعاليات، بل تعكس صورة أوسع عن الذاكرة الثقافية المصرية حين تتحول إلى مادة حية قابلة للنقاش والاستماع وإعادة الاكتشاف. فمحفوظ لا يزال عنوانًا للأدب المصري في الوعي العالمي، والسنباطي يبقى أحد أعمدة الموسيقى العربية التي خرجت من مصر إلى المجال العربي الأوسع. ومن هنا، فإن أجندة اليوم لا تقدم مناسبتين منفصلتين بقدر ما ترسم خيطًا مشتركًا بين الكلمة واللحن، وبين القاهرة كمدينة منتجة للثقافة، ومصر كحاضنة دائمة لرموزها الكبار.