فلسطين تتصدر مشهد مهرجان البندقية عبر أفلام وجوائز
فلسطين في واجهة مهرجان البندقية 2024
في واحدة من أكثر دورات مهرجان البندقية السينمائي الدولي حساسية على المستوى الإنساني والسياسي، بدا الحضور الفلسطيني والعربي واضحًا داخل البرنامج الرسمي وخارجه. الدورة الـ81 من المهرجان أُقيمت في ليدو البندقية بين 28 أغسطس و7 سبتمبر 2024، وشهدت أفلامًا تناولت غزة والهوية الفلسطينية والذاكرة والواقع الاجتماعي، إلى جانب نتائج لافتة للسينما العربية على مستوى الجوائز.
وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لحركة المهرجانات الدولية، فإن أهمية هذا الحضور لا ترتبط فقط بتمثيل عربي في حدث سينمائي عريق، بل أيضًا بقدرة الأفلام القادمة من فلسطين والمنطقة على فرض موضوعاتها داخل ساحة عالمية شديدة التنافس، حيث تتجاور السينما الفنية مع السياسة والاهتمام الإعلامي الدولي.
جائزتان عربيتان في دورة مزدحمة بالمنافسة
الإنجاز العربي الأبرز في ختام المهرجان جاء عبر الفيلم الفلسطيني Happy Holidays للمخرج سكندر قبطي، الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو في قسم Orizzonti. ويُعد هذا القسم من أهم مسارات البندقية المخصصة للأصوات السينمائية الجديدة والتجارب الجمالية المختلفة. الفيلم من إنتاج فلسطيني ألماني فرنسي إيطالي قطري، ويمتد لـ124 دقيقة، وتدور أحداثه حول أربع شخصيات تتقاطع مصائرها في سياق اجتماعي معقد يكشف تشابكات النوع والجيل والثقافة داخل المجتمع الفلسطيني وفي علاقته بالمحيط الإسرائيلي.
سكندر قبطي، الذي يُعد من أبرز الأسماء الفلسطينية في السينما المعاصرة، قدّم عبر الفيلم حكاية متعددة المنظورات، وهو ما ساهم في لفت الانتباه إلى العمل نقديًا. وعلى المستوى المهني، شارك الفيلم ضمن قسم Orizzonti الذي خصص 19 فيلمًا روائيًا طويلًا و13 فيلمًا قصيرًا في المسابقة خلال تلك الدورة.
أما الجائزة العربية الثانية فجاءت من برنامج Final Cut in Venice، وهو منصة صناعية داخل المهرجان تُعنى بدعم الأفلام الأفريقية والعربية في مرحلة ما بعد الإنتاج. هناك، حصل الفيلم المصري عايشة لا تستطيع الطيران للمخرج مراد مصطفى على جائزة لا بينالي دي فينيسيا وقيمتها 5 آلاف يورو، في إشارة مهمة للحضور المصري داخل المشهد المهني للمهرجان، حتى وإن كانت الجائزة خارج المسابقات الرسمية للأفلام المكتملة.
فلسطين كموضوع سينمائي يتجاوز الخبر العاجل
الحديث عن فلسطين في البندقية لم يقتصر على الجوائز. كثير من الأعمال التي دارت في الفضاء العربي هذا العام تعاملت مع القضية الفلسطينية بوصفها تجربة إنسانية وسردية، لا مجرد عنوان إخباري. وهذا ما يفسر تكرار حضور غزة والذاكرة والاقتلاع والهوية في التغطيات المرافقة للمهرجان، وفي النقاشات التي صاحبت العروض.
ضمن هذا السياق، برز أيضًا الاهتمام العالمي المتزايد بأفلام تتناول الحرب على غزة، سواء عبر التوثيق المباشر أو من خلال الحكايات الشخصية. صحيح أن بعض العناوين المتداولة عربيًا مثل «غزة» و«راجعين» و«أنا أسامة» ارتبطت في الخطاب الإعلامي بمزاج عام داخل المهرجان يركز على فلسطين، لكن التفاصيل القابلة للتحقق رسميًا من أرشيف المهرجان تُظهر أن فيلم Citizen Osama أو «المواطن أسامة» أُدرج في البندقية عام 2026 خارج المسابقة، بينما شارك مشروع We Shall Return أو «راجعين» في دورة 2026 ضمن مسابقة Venice Immersive، وليس ضمن دورة 2024 نفسها. لذلك، فإن القراءة الأدق لما جرى في 2024 هي أن الحضور الفلسطيني كان قويًا بالفعل، لكن الإنجاز الموثق بالأرقام والجوائز ارتبط أساسًا بفيلم سكندر قبطي وبحضور عربي أوسع في المنصات الموازية.
سكندر قبطي في الصدارة
إذا كان لا بد من اختيار اسم واحد تصدّر هذا المشهد، فسيكون المخرج الفلسطيني سكندر قبطي. ففوزه في البندقية أعاد اسمه بقوة إلى واجهة السينما العالمية، خاصة لدى الجمهور العربي الذي يعرفه منذ مشاركته السابقة في أعمال حصدت اهتمامًا دوليًا. الجديد هنا أن Happy Holidays لم يكتفِ بتمثيل فلسطين في مهرجان كبير، بل عاد بجائزة رسمية من واحدة من أقدم وأهم المنصات السينمائية في العالم.
ومن الناحية التحريرية، يبدو هذا الفوز مهمًا أيضًا لأنه يرسخ حضور السينما الفلسطينية في المساحات التي تُقيّم الكتابة السينمائية نفسها، لا فقط الموضوع السياسي للفيلم. أي أن العمل لم يُقرأ بوصفه «فيلم قضية» فحسب، بل بوصفه إنجازًا فنيًا على مستوى البناء الدرامي وتعدد الشخصيات.
البندقية كمؤشر على اتجاهات السينما العالمية
يظل مهرجان البندقية، الذي تنظمه La Biennale di Venezia (@labiennale على إنستغرام)، أحد أهم المؤشرات المبكرة لاتجاهات موسم الجوائز والاهتمامات السينمائية عالميًا. لذلك فإن بروز فلسطين داخل هذه الساحة يمنح الأفلام العربية نافذة أكبر نحو التوزيع والنقاش النقدي والمشاركة في مهرجانات لاحقة.
وبالنسبة لمتابعي السينما في مصر، فإن هذه النتائج تحمل أكثر من دلالة. أولًا، أنها تؤكد أن القصص القادمة من المنطقة ما زالت قادرة على الوصول إلى جمهور دولي واسع حين تُقدَّم بلغة سينمائية قوية. ثانيًا، أنها تُظهر أن المهرجانات الكبرى لا تنفصل عن أسئلة اللحظة، بل تستوعبها عبر الأفلام والحوارات الجانبية والمنصات المهنية. وثالثًا، أن الحضور المصري نفسه لم يكن غائبًا، مع تتويج مشروع مراد مصطفى داخل Final Cut in Venice.
ماذا تعني هذه النتائج للسينما العربية؟
عمليًا، تمنح جوائز مثل تلك التي حصل عليها Happy Holidays دفعة كبيرة لمسار الفيلم بعد المهرجان، سواء في التسويق الدولي أو فرص العروض اللاحقة. كما أن الجوائز المهنية الممنوحة لمشروعات عربية في مرحلة ما بعد الإنتاج تساعد على استكمال الأفلام ورفع فرص ظهورها لاحقًا في مهرجانات كبرى أو في دور عرض ومنصات مشاهدة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن السينما العربية لم تعد تُستقبل في المهرجانات العالمية باعتبارها «ضيفة موسمية»، بل أصبحت طرفًا منتظمًا في المنافسة، خاصة في الأقسام التي تراهن على التجديد والبحث الفني. وهذا ما يجعل كل إنجاز جديد، فلسطينيًا كان أو مصريًا أو عربيًا، جزءًا من مسار تراكمي أوسع.
- موعد الدورة: من 28 أغسطس إلى 7 سبتمبر 2024.
- أبرز تتويج عربي رسمي: أفضل سيناريو لفيلم Happy Holidays للمخرج سكندر قبطي.
- حضور مصري بارز: فوز مشروع «عايشة لا تستطيع الطيران» بجائزة La Biennale di Venezia في Final Cut in Venice.
- القسم الفائز فيه الفيلم الفلسطيني: Orizzonti.
خلاصة المشهد
في النهاية، لم تكن فلسطين حاضرة في مهرجان البندقية 2024 بوصفها خلفية للأخبار فقط، بل كقلب نابض لعدد من السرديات التي شغلت المهرجان فنيًا وإنسانيًا. وبينما تصدّر سكندر قبطي المشهد بجائزة مهمة لفيلمه Happy Holidays، برزت أعمال ومشروعات عربية أخرى أكدت أن المنطقة ما زالت تنتج سينما قادرة على المنافسة والتأثير. وبالنسبة لقسم فن عالمي، فهذه ليست مجرد حكاية عن مهرجان أوروبي، بل عن كيف تفرض القصص العربية نفسها حين تصل إلى المنصات الأكبر في العالم.