فيلم فلسطيني يلفت الأنظار في لوكارنو بعد تتويجه بجائزة لجنة التحكيم
إنجاز فلسطيني جديد في مهرجان لوكارنو
سجلت السينما الفلسطينية حضوراً لافتاً في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي في سويسرا، بعدما نال فيلم «الثوار لا يموتون أبداً» جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ويأتي هذا التتويج ليضيف محطة جديدة إلى مسار الأفلام الفلسطينية والعربية التي باتت تجد مكاناً أكثر وضوحاً داخل أهم المهرجانات الدولية، خصوصاً تلك المعنية بسينما المؤلف والتجارب البصرية الجريئة.
الحدث يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي، والمصري تحديداً، لأن الفيلم نفسه مرّ قبل ذلك عبر القاهرة، حيث حصد دعماً في ملتقى القاهرة السينمائي التابع لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ما يجعل الجائزة الجديدة امتداداً لمسار بدأ من منصة عربية وانتهى بتقدير دولي في واحدة من أبرز تظاهرات السينما الفنية في أوروبا.
ما هو فيلم «الثوار لا يموتون أبداً»؟
الفيلم من إخراج الفلسطيني مهند يعقوبي، وهو عمل وثائقي/أرشيفي يستند إلى حوار سينمائي مع إرث المخرجة والصحفية اللبنانية الراحلة جوسلين صعب. وبحسب المعلومات المنشورة عن المشروع، يعيد الفيلم الاشتباك مع مجموعة من المواد المصورة التي أنجزتها صعب بين عامي 1973 و1983، وهي مرحلة شديدة الحساسية في التاريخ العربي، شهدت تحولات كبرى وثورات وصراعات في أكثر من بلد.
جوهر الفيلم لا يقوم على السرد التقليدي، بل على استدعاء الأرشيف باعتباره أداة لفهم الذاكرة السياسية والبصرية في المنطقة. ومن خلال هذا المنظور، يتابع العمل عملية فهرسة وترميم أفلام جوسلين صعب، بما يفتح باباً للتأمل في كيفية تصوير العالم العربي لنفسه، وكيف صيغت صورته في مواجهة النظرة الغربية.
وتوضح البيانات التعريفية الخاصة بالفيلم أن هذا المشروع هو إنتاج مشترك بين فلسطين وبلجيكا وقطر، وكتب السيناريو كل من مهند يعقوبي وماتيلد روكسيل، فيما تولى الإنتاج سامي سعيد وريتا ماريا حبيب. كما ينتج الفيلم عبر شركة Idioms Film التي تتخذ من رام الله مقراً لها.
من هو مهند يعقوبي؟
يُعد مهند يعقوبي واحداً من الأسماء الفلسطينية المعروفة في مجال السينما التسجيلية والأرشيفية. ووفقاً للمواد التعريفية الرسمية الخاصة بالفيلم، فهو مخرج ومنتج وأحد مؤسسي Idioms Film في رام الله منذ عام 2004، كما أنه عضو في مجموعة Subversive Film المعنية بالبحث في السينما النضالية الفلسطينية وإعادة تداولها. هذه الخلفية تساعد على فهم طبيعة «الثوار لا يموتون أبداً»، لأنه ليس مجرد فيلم عن أرشيف قديم، بل امتداد لمشروع مهني وفكري طويل يشتبك مع الصورة والذاكرة والسياسة.
بالنسبة لمتابعي السينما الفلسطينية في مصر والعالم العربي، فإن يعقوبي ينتمي إلى تيار يهتم بإعادة قراءة التاريخ من خلال اللقطة، لا من خلال الشرح المباشر. لذلك تبدو الجائزة في لوكارنو منطقية إلى حد بعيد، لأنها عادة ما تذهب إلى أفلام لديها حس فني واضح، إلى جانب قوة الموضوع.
جوسلين صعب في قلب الحكاية
رغم أن الفيلم فلسطيني الهوية والإخراج، فإن المخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب تبقى محوراً أساسياً فيه. فقد أنجزت صعب خلال عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات 16 فيلماً وثقت فيها تحولات وصراعات وثورات في العالم العربي. وبعد وفاتها عام 2019، بدأت جهود منظمة للحفاظ على إرثها الفني، ومن هنا جاء تكليف مهند يعقوبي بفهرسة المواد وترميمها، وهي العملية التي تحولت نفسها إلى مادة سينمائية داخل «الثوار لا يموتون أبداً».
هذا البعد يمنح الفيلم قيمة مزدوجة: من ناحية هو تحية إلى صانعة صور عربية مستقلة، ومن ناحية أخرى هو مساءلة جديدة لعلاقة الأرشيف بالواقع المعاصر. لهذا يمكن فهم التقدير الذي ناله في لوكارنو باعتباره احتفاءً بالشكل والمضمون معاً.
الجائزة في لوكارنو ولماذا تعني الكثير؟
أقيمت الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان لوكارنو خلال الفترة من 5 إلى 15 أغسطس 2026 في مدينة لوكارنو السويسرية. والمهرجان معروف تاريخياً باهتمامه بالأفلام الفنية، واكتشاف الأصوات الجديدة، ومنح مساحة مركزية للأعمال التي تتجاوز القوالب التجارية السائدة.
في هذا السياق، فإن فوز «الثوار لا يموتون أبداً» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة يمثل إشارة واضحة إلى قوة حضوره داخل البرنامج التنافسي الذي شارك فيه. أما الفهد الذهبي، وهو الجائزة الأهم في المهرجان، فذهب إلى الفيلم الروماني «You Don’t Belong Here» للمخرج فلورين شيربان، وهو فيلم درامي تدور قصته حول طبيب يكتشف أن ابنه المراهق مشتبه به في جريمة قتل.
بالنسبة للمشهد العربي، فإن المقارنة هنا ليست على مستوى التراتبية بين الجوائز بقدر ما هي دليل على أن فيلماً فلسطينياً ذا طبيعة وثائقية وأرشيفية استطاع أن يفرض نفسه وسط منافسة دولية متنوعة، وأن يخرج من لوكارنو بجائزة واهتمام نقدي واسع.
صلة مصرية مهمة: من القاهرة إلى لوكارنو
أحد أهم الجوانب في قصة الفيلم أنه استفاد من دعم ملتقى القاهرة السينمائي، الذراع الإنتاجية التابعة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. فقد أعلن مهرجان القاهرة في 10 يوليو 2026 أن «الثوار لا يموتون أبداً» اختير للمنافسة في لوكارنو بعد أشهر من فوزه بـالجائزة الكبرى لأفضل مشروع في مرحلة ما بعد الإنتاج في أحدث دورات الملتقى، إلى جانب جائزة إرشاد خاصة من Rough Cut Lab Africa.
الأهم من ذلك أن مهرجان القاهرة أشار أيضاً إلى أن Cairo Film Connection، منذ انطلاقه عام 2010، دعم 169 مشروعاً من 15 دولة عربية، وأن 60 مشروعاً منها وصل إلى مهرجانات دولية كبرى، من بينها 62 مشروعاً وثائقياً. هذه الأرقام تمنح القارئ المصري زاوية محلية مهمة: النجاح الفلسطيني في لوكارنو ليس بعيداً عن مساهمة منصة مصرية لعبت دوراً في تطوير المشروع قبل اكتماله.
لماذا يهم هذا الخبر جمهور «فن عربي»؟
لأن المسألة هنا لا تتعلق فقط بجائزة جديدة، بل باتجاه أوسع في السينما العربية: أفلام تستند إلى الذاكرة، وتعيد قراءة التاريخ من الداخل، وتجد في الوقت نفسه طريقها إلى دوائر التقدير العالمية. وهذه معادلة صعبة، خاصة عندما يكون الفيلم بعيداً عن الاستعراض، ويعتمد بدلاً من ذلك على الأرشيف والتأمل والبناء الفكري.
كما أن حضور فيلم فلسطيني بهذا الثقل في مهرجان دولي كبير يفتح النقاش مجدداً حول مكانة الرواية العربية في السينما العالمية، وحول قدرة الصورة القادمة من فلسطين ولبنان والمنطقة على تجاوز التناول الإخباري السريع إلى مساحة أعمق، أكثر تركيباً وإنسانية.
حضور عربي يتواصل على الساحة الدولية
فوز «الثوار لا يموتون أبداً» يرسخ فكرة أن السينما الفلسطينية لا تظهر في المهرجانات العالمية بوصفها حالة عابرة، بل كجزء من مشهد متماسك يطور أدواته ويبحث عن أشكال جديدة للحكي. ومن المهم أيضاً أن هذا الحضور يأتي عبر فيلم ينقب في أعمال مخرجة عربية هي جوسلين صعب، بما يخلق جسراً بين فلسطين ولبنان داخل خطاب بصري واحد عن الذاكرة والمقاومة والصورة.
وبالنسبة لجمهور الفن والسينما في مصر، فإن مثل هذه الأخبار لا تخص المتابعين المتخصصين فقط، بل تهم كل من يراقب كيف تتحرك الثقافة العربية في العالم: من قاعات القاهرة إلى منصات الدعم، ثم إلى مهرجانات كبرى مثل لوكارنو (@filmfestlocarno على إنستغرام)، حيث يصبح للأرشيف العربي مكان على الشاشة الدولية.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يمكن القول إن فوز الفيلم الفلسطيني «الثوار لا يموتون أبداً» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان لوكارنو ليس مجرد خبر عابر في أجندة المهرجانات. إنه تتويج لعمل يستند إلى ذاكرة عربية مركبة، ولمسار مهني واضح لدى مهند يعقوبي، ولشراكات إنتاجية وثقافية امتدت من رام الله إلى الدوحة والقاهرة، وانتهت باعتراف دولي جديد. وبينما ذهب الفهد الذهبي إلى الفيلم الروماني «You Don’t Belong Here»، خرج الفيلم الفلسطيني بنصر لا يقل دلالة على مستوى الحضور العربي في السينما العالمية.