الفنانين الخمسه

محمد عطية: الديكور الناجح في السينما يبدأ من القصة

محمد عطية يضع القصة أولًا في معادلة الديكور السينمائي

يعيد مهندس الديكور والمشرف الفني المصري محمد عطية التأكيد على فكرة أساسية في صناعة الصورة السينمائية: الديكور ليس زينة منفصلة عن الفيلم، بل جزء من بنائه الدرامي. ومن هذا المنطلق، يلفت عطية إلى أن قراءة السيناريو لا تقود بالضرورة إلى تصور واحد ثابت، بل قد تفتح الباب أمام أكثر من معالجة بصرية، تختلف بحسب زاوية النظر إلى الشخصيات، وطبيعة المكان، والإيقاع النفسي الذي يريده صناع العمل.

هذه الرؤية تضع البرودكشن ديزاين في موقع محوري داخل الفيلم، بوصفه العنصر المسؤول عن تشكيل الهوية البصرية العامة، لا مجرد تنسيق خلفيات جميلة للكاميرا. فالمقياس الحقيقي، وفق هذا التصور، لا يتعلق بمدى إبهار المشهد بصريًا في حد ذاته، وإنما بمدى انسجامه مع العالم الذي ترويه القصة، وقدرته على جعل المتفرج يصدق الزمن والمكان والحالة الإنسانية المطروحة.

ما الذي يفعله مصمم الديكور فعلًا؟

في الصناعة السينمائية الحديثة، لم يعد دور مهندس الديكور مقتصرًا على اختيار الأثاث أو بناء مواقع التصوير، بل صار جزءًا من عملية تفسير النص نفسه. هنا تظهر أهمية ما يُعرف بـالشخصية البصرية للعمل، وهي الصيغة التي تمنح الفيلم ملامحه الخاصة: هل العالم واقعي وخشن؟ هل هو مصقول وبارد؟ هل ينتمي إلى ذاكرة قديمة أم إلى مدينة معاصرة سريعة الإيقاع؟

ومن داخل هذا الفهم، تبدو ملاحظة محمد عطية منطقية للغاية؛ فالنص الواحد قد يسمح بعدة قراءات بصرية، وكل قراءة تخلق إحساسًا مختلفًا لدى الجمهور. لذلك فإن نجاح الديكور لا يُفصل عن الإخراج، والتصوير، وتصميم الملابس، بل يأتي نتيجة تفاعل كل هذه العناصر في خدمة المعنى النهائي للفيلم أو المسلسل.

مسيرة مهنية مرتبطة بأعمال بارزة

المتابعة المهنية لمسيرة محمد عطية تكشف أن هذه الفلسفة ليست مجرد طرح نظري، بل انعكست على اختياراته وأعماله عبر سنوات. وتوضح قاعدة بيانات السينما.كوم أن عطية مهندس ديكور مصري ارتبط اسمه بأعمال معروفة، من بينها «احكي يا شهرزاد» و«بعد الموقعة» و«الفيل الأزرق»، إلى جانب أعمال أحدث مثل «تحت الوصاية» و«ولاد رزق 3: القاضية». كما تشير المنصة إلى حصوله سابقًا على جائزة أحسن ديكور عن فيلم «بعد الموقعة» في جوائز جمعية الفيلم.

وتُظهر هذه القائمة تنوعًا لافتًا في نوعية المشاريع التي عمل عليها؛ من أفلام نفسية وتشويقية، إلى دراما اجتماعية وسياسية، ثم أعمال جماهيرية واسعة الانتشار. وهذا التنوع يوضح كيف يتغير منطق التصميم من مشروع إلى آخر: فالعالم البصري في فيلم مثل «الفيل الأزرق» ليس هو نفسه في «بعد الموقعة»، ولا يشبه المساحات البصرية المطلوبة في «تحت الوصاية» أو «ولاد رزق 3».

جوائز حديثة تعكس استمرار حضوره

الحضور المهني لمحمد عطية لم يتوقف عند نجاحات سابقة، بل امتد إلى السنوات الأخيرة أيضًا. فقد ذكرت بوابة الأهرام في 27 أبريل 2026 أنه فاز بجائزة أفضل ديكور عن فيلم «الست» للمخرج مروان حامد خلال ختام الدورة الثانية والخمسين من مهرجان جمعية الفيلم السنوي للسينما المصرية، الذي أُقيم في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة. وأشارت التغطية إلى أن رصيده داخل المهرجان يضم جوائز سابقة عن أفلام مثل «بعد الموقعة» و«أسوار القمر» و«ولاد رزق» و«احكي يا شهرزاد» و«الفيل الأزرق».

أهمية هذا التتويج لا تكمن فقط في عدد الجوائز، بل في أنه يثبت استمرار قدرة عطية على التكيّف مع أجيال مختلفة من المخرجين والمشروعات، من السينما المؤلفة إلى الإنتاجات الكبرى ذات الطابع الجماهيري. وهذا بالضبط ما يجعل حديثه عن وظيفة الديكور أكثر وزنًا؛ لأنه صادر عن تجربة عملية ممتدة وليست معزولة عن السوق أو عن التطورات الجمالية في المنطقة.

من «بعد الموقعة» إلى الأعمال العربية الأوسع

حين نتأمل أعمالًا مثل «بعد الموقعة»، تبدو فكرة خدمة القصة بالغة الوضوح. فالفيلم، الذي ارتبط بأحداث ما بعد ثورة 25 يناير، احتاج إلى بيئات محسوسة وقريبة من الواقع الاجتماعي والسياسي الذي ينطلق منه، وهو ما يختلف جذريًا عن متطلبات أفلام الإثارة أو الأعمال ذات البعد النفسي. وتوثق بيانات المهرجان القومي للسينما المصرية مشاركة الفيلم ضمن سياقه المعروف، بينما تُثبت قواعد بيانات الأعمال الفنية اسم محمد عطية ضمن فريق الديكور الخاص به.

وللقارئ المصري، تبدو هذه النقطة مهمة لأن النقاش حول تصميم الديكور في السينما العربية غالبًا ما ينحصر في فكرة الإبهار البصري أو حجم الميزانية، بينما يطرح عطية معيارًا أكثر دقة: هل خدم المكان الشخصيات؟ هل كشف شيئًا من طباعها؟ هل عبر عن الطبقة الاجتماعية والزمن والتحولات النفسية؟ إذا لم يتحقق ذلك، فإن الشكل الجميل وحده لا يصنع قيمة فنية حقيقية.

لماذا يهم هذا الطرح جمهور الفن العربي؟

في قسم «فن عربي»، لا تبدو هذه المسألة تقنية فقط، بل ترتبط مباشرة بمستقبل الصناعة في مصر والمنطقة. فكلما توسعت الإنتاجات العربية، وأصبحت المنافسة أكبر على المنصات ودور العرض، زادت الحاجة إلى صناع صورة قادرين على بناء عوالم مقنعة محليًا وقابلة للتصدير عربيًا. ومن هنا تأتي أهمية مدرسة ترى أن الهوية البصرية ليست استعراضًا، وإنما لغة سردية.

كما أن الجمهور العربي بات أكثر حساسية للتفاصيل، سواء في الأعمال التاريخية أو الاجتماعية أو التشويقية. وهذا يعني أن أي خطأ في البيئة البصرية قد يضعف صدقية العمل بالكامل، في حين أن تصميمًا دقيقًا ومدروسًا قد يرفع من قيمة النص والأداء والإخراج معًا. ومن هذه الزاوية، يقدم محمد عطية نموذجًا لمهندس ديكور يربط الجمال بالوظيفة، والخيال بالدراما، والخبرة التقنية بقراءة النص.

خلاصة الرؤية

الرسالة الأوضح في طرح محمد عطية هي أن الديكور الناجح لا يطلب الانتباه لنفسه بقدر ما يذوب داخل الحكاية. قد يخرج المشاهد من الفيلم وهو لا يتذكر تفاصيل قطعة أثاث أو لون جدار، لكنه يشعر بأن العالم الذي شاهده كان متماسكًا وصادقًا ومقنعًا. هنا فقط ينجح التصميم الفني في أداء مهمته الحقيقية.

وبين خبرة تمتد عبر أعمال مؤثرة وجوائز متجددة في مهرجانات مصرية بارزة، يواصل عطية ترسيخ فكرة مهمة في وجدان الصناعة: الصورة الجميلة وحدها لا تكفي، أما الصورة التي تخدم القصة فتبقى. وهذا هو الفارق بين ديكور يُرى، وديكور يُحكى من خلاله العمل كله.

  • الاسم: محمد عطية
  • المهنة: مهندس ديكور ومشرف فني
  • من أبرز الأعمال: احكي يا شهرزاد، بعد الموقعة، الفيل الأزرق، تحت الوصاية، ولاد رزق 3: القاضية
  • أحدث تتويج بارز: جائزة أفضل ديكور عن فيلم «الست» في مهرجان جمعية الفيلم في أبريل 2026