معرض «صورة مصر» في قصر عائشة فهمي.. ماذا ينتظر الزوار؟
افتتاح يرتبط بذكرى 30 يونيو ويضع الفن في قلب الذاكرة الوطنية
يستقبل قصر عائشة فهمي بالزمالك في السادسة من مساء الثلاثاء 30 يونيو 2026 افتتاح معرض «صورة مصر.. رحلة في ذاكرة الوطن»، بحضور الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والدكتور محمود حامد رئيس قطاع الفنون التشكيلية، والدكتور علي سعيد مدير مراكز الفنون والقيم الفني للمعرض. اختيار الموعد ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، بل جزء من زاوية المعرض نفسها، إذ يأتي ضمن احتفالات الذكرى الوطنية لـ30 يونيو، لكن عبر لغة الفن التشكيلي والوثيقة والصورة، لا عبر الشعارات المباشرة.
اللافت هنا أن وزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية لا يقدمان معرضًا تقليديًا للوحات معلقة على الجدران فقط، بل يقدمان سردية بصرية عن مصر كما تشكلت في الوجدان العام: عبر الرسم، والنحت، والصورة الفوتوغرافية، وصفحات الجرائد التاريخية، والوثائق، وحتى المواد الفيلمية الوثائقية. هذا المزج يجعل المعرض أقرب إلى تجربة مشاهدة متعددة الطبقات، تجمع بين المتحف والأرشيف والمعرض التشكيلي في وقت واحد.
ما الذي يقدمه معرض «صورة مصر» فعليًا للزائر؟
بحسب التفاصيل المعلنة قبل الافتتاح، يطرح المعرض رحلة تمتد من القرن الثالث عشر حتى ثورة 30 يونيو. هذه المسافة الزمنية الواسعة لا تُعرض بوصفها درسًا تاريخيًا جافًا، بل كحكاية مصرية مصورة، تحاول أن تجيب عن سؤال: كيف رأت الفنون والوثائق لحظات الانتصار والمقاومة والتحول في تاريخ البلد؟
المعرض يضم أعمالاً ومقتنيات جرى جمعها من إحدى عشرة جهة ومتحفًا وموقعًا تابعًا لقطاع الفنون التشكيلية، مع تأكيد القائمين عليه أن بعض القطع تُعرض لأول مرة. هذا العنصر وحده يمنح الافتتاح أهمية خاصة لدى جمهور الفنون في القاهرة، لأن المسألة لا تتعلق فقط بعنوان جذاب، بل بفرصة لرؤية نوادر خرجت من المخازن والمجموعات المتحفية إلى عرض عام داخل أحد أهم الفضاءات الفنية في الزمالك.
بانوراما من اللوحة إلى الوثيقة
أهم ما يقدمه المعرض هو فكرة الربط بين العمل الفني والوثيقة التاريخية. فبدلاً من الاكتفاء بعرض لوحات ذات موضوع وطني، يضع المعرض الأعمال داخل سياق أوسع يضم صورًا فوتوغرافية وصفحات جرائد ودوريات نادرة وأفلامًا وثائقية. هذه المقاربة تمنح الزائر فرصة لقراءة الحدث الواحد من أكثر من وسيط بصري، وتُظهر كيف ساهمت الصورة، بمختلف أشكالها، في تشكيل الوعي العام المصري.
ومن هنا تأتي خصوصية العنوان: «صورة مصر» ليست صورة ثابتة أو رسمًا واحدًا، بل طبقات متراكمة من الذاكرة والتمثيل البصري. المعرض، في جوهره، لا يعرض تاريخًا سياسيًا فقط، بل يعرض كيف صيغ هذا التاريخ بصريًا داخل الثقافة المصرية.
محطات تاريخية محددة داخل المعرض
التفاصيل المنشورة عن كواليس الإعداد تكشف أن الرحلة تبدأ من معركة المنصورة سنة 1250، عبر لوحة «معركة المنصورة 1250» للفنان عبد العزيز درويش، التي تجسد لحظة هزيمة الصليبيين وأسر الملك لويس التاسع. وإلى جوارها تظهر لوحة «معركة فارسكور» للفنان الحسيني فوزي، لتأسيس بداية درامية للمعرض من قلب لحظة مقاومة مصرية مبكرة.
ولا تتوقف الرحلة عند العصور الوسيطة، بل تمتد إلى محطات مفصلية في التاريخ الحديث، من بينها ثورة 1919، وصولاً إلى ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو. ووفقًا لما جرى الإعلان عنه، ستوجد شاشات تعرض صورًا وفيديوهات قصيرة من يناير ويونيو، ضمن مزج متعمد بين الفن والصحافة والأرشيف المرئي، بما يسمح بمقارنة تطور اللغة البصرية وأساليب توثيق الحدث بين الماضي والحاضر.
لوحات نادرة وأسماء كبيرة في الفن المصري
من العناصر اللافتة أيضًا أن المعرض يضم روائع لعدد من كبار الفنانين المصريين، من بينهم سيف وانلي، وحامد ندا، وعبد الهادي الجزار، وحامد عويس، والحسيني فوزي، وجاذبية سري، وزينب السجيني، وأحمد نوار، ويوسف سيدة، وصبري منصور، ومصطفى الفقي. وجود هذه الأسماء يرفع سقف التوقعات، لأن الزائر لن يشاهد مواد أرشيفية فقط، بل سيقابل أعمالاً تشهد على كيفية ترجمة الفنان المصري للحظة الوطنية إلى لغة تشكيلية.
ومن بين الأعمال النادرة التي كُشف عنها قبل الافتتاح لوحة «معركة بورسعيد» للفنان محمد حسن من مقتنيات متحف الفن المصري الحديث، إلى جانب الإشارة إلى لوحة «معركة المنصورة» بوصفها من النوادر المرتبطة بسردية المعرض. هذا النوع من الأعمال يضفي على الزيارة قيمة إضافية، خصوصًا لهواة تتبع تمثلات التاريخ الوطني في الفن المصري.
أي متاحف ومؤسسات تشارك في تشكيل هذه الرحلة؟
أحد مفاتيح فهم المعرض هو تنوع الجهات المشاركة في إمداده بالمقتنيات. من بين المتاحف والمواقع التي وردت أسماؤها: متحف الفن المصري الحديث، ومتحف الجزيرة، ومتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، ومركز محمود سعيد للمتاحف، ومتحف مصطفى كامل، ومتحف محمد ناجي، ومتحف النصر ببورسعيد، ومتحف دنشواي، ومتحف المنصورة القومي، كما أشير أيضًا إلى مشاركة متحف سيف وأدهم وانلي ووجود مقتنيات من مكتبة البلدية.
هذا التنوع مهم لأن المعرض لا يستند إلى مجموعة واحدة أو خطاب متحفي أحادي، بل إلى شبكة من الذاكرات البصرية القادمة من القاهرة والإسكندرية وبورسعيد والمنصورة ودنشواي. أي أن الزائر أمام مصر تُستعاد من أكثر من مدينة، وأكثر من متحف، وأكثر من وسيط فني.
لماذا يحمل قصر عائشة فهمي دلالة خاصة لهذا الافتتاح؟
اختيار قصر عائشة فهمي ليس مجرد اختيار لمكان أنيق في الزمالك. القصر نفسه أحد أهم الفضاءات التي ارتبطت بعرض الكنوز الفنية في القاهرة. وهو مبنى تاريخي يعود إلى 1907، شيده المهندس الإيطالي أنطونيو لاشاك، وتم تسجيله مبنى أثريًا في 2010. كما يشغل موقعًا مهمًا في الذاكرة الثقافية المعاصرة بوصفه مجمع الفنون الذي استضاف معارض كبرى وفتح مساحات أمام أجيال من التشكيليين.
في سياق معرض عنوانه «رحلة في ذاكرة الوطن»، يبدو القصر نفسه جزءًا من الحكاية. فالجمهور لا يدخل إلى قاعة بيضاء معزولة، بل إلى مبنى ذي طابع معماري وتاريخي خاص، ما يعزز الإحساس بأن مشاهدة الأعمال تتم داخل فضاء يشارك هو الآخر في إنتاج الذاكرة.
زاوية «فن مصر»: ماذا يعني المعرض للمشهد التشكيلي المحلي؟
بالنسبة لقارئ قسم «فن مصر»، أهمية المعرض تتجاوز المناسبة الاحتفالية. فنحن أمام نموذج واضح لكيف يمكن للمؤسسات الثقافية المصرية أن تعيد تقديم الفن التشكيلي إلى جمهور أوسع، عبر ربطه بأسئلة الهوية والذاكرة الوطنية. المعرض لا يخاطب المتخصصين فقط، بل يجذب أيضًا جمهورًا مهتمًا بالتاريخ المصري، والصحافة القديمة، وتحولات الصورة العامة للوطن.
كما أن الاعتماد على أعمال نادرة، وفنانين كبار، ومواد وثائقية، يجعل الحدث واحدًا من أبرز محطات الفنون التشكيلية المصرية هذا الصيف، خصوصًا مع تزامنه مع ذكرى 30 يونيو، وهي مناسبة كثيرًا ما تُتناول سياسيًا وإعلاميًا، لكن أقل من ذلك بصريًا وتشكيليًا.
ماذا يمكن أن ينتظره الزائر عند الافتتاح؟
- تجربة بصرية متعددة الوسائط تجمع اللوحات والتماثيل والصور والوثائق والجرائد والأفلام الوثائقية.
- أعمالًا نادرة استعيرت من أكثر من عشرة متاحف ومواقع فنية مصرية، مع عرض بعض القطع لأول مرة.
- مسارًا تاريخيًا واضحًا يبدأ من معركة المنصورة وفارسكور ويمتد إلى ثورتي 25 يناير و30 يونيو.
- أسماء بارزة من كبار الفنانين المصريين مثل سيف وانلي وعبد الهادي الجزار وحامد ندا وجاذبية سري وأحمد نوار.
- قيمة مكانية خاصة لأن العرض يقام داخل قصر عائشة فهمي، أحد أهم مواقع العرض الفني في الزمالك والقاهرة.
الخلاصة
إذا كان السؤال هو: ما الذي يقدمه معرض «صورة مصر.. رحلة في ذاكرة الوطن» عند افتتاحه يوم 30 يونيو؟ فالإجابة الأقرب أنه يقدم ذاكرة مصر في صيغة معرض. ليس مجرد مناسبة فنية عابرة، ولا مجرد احتفال بذكرى وطنية، بل محاولة لقراءة تاريخ البلد عبر ما احتفظت به اللوحة والوثيقة والصورة والجرنال من أثر. وبين قيمة الأعمال المشاركة، وتنوع المتاحف المساهمة، ورمزية قصر عائشة فهمي، يبدو المعرض مرشحًا ليكون واحدًا من أهم أحداث الفن التشكيلي المصري المرتبطة بذكرى 30 يونيو في 2026.