الفنانين الخمسه

«ملكة القطن» يعزز رحلته الدولية بجائزتين جديدتين

«ملكة القطن» يواصل حصد الجوائز ويؤكد حضور السينما السودانية

يواصل فيلم «ملكة القطن» للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني ترسيخ حضوره في دائرة المهرجانات الدولية، بعد إضافة جائزتين جديدتين إلى مسيرته، في تطور يعكس الزخم الذي يرافق الفيلم منذ عرضه العالمي الأول. ورغم أن الخبر المتداول ربط الإنجاز بمهرجان ديربان السينمائي الدولي، فإن التحقق من المصادر المتاحة والموثوقة أظهر بوضوح جوائز مؤكدة نالها الفيلم في محطات دولية أخرى بارزة، من بينها جائزة «الكسندر الذهبي» لأفضل فيلم في مهرجان تسالونيكي السينمائي الدولي عام 2025، إلى جانب جائزة أفضل موسيقى التي ذهبت للمؤلف الموسيقي أمين بوحافة عن الفيلم نفسه.
كما فاز لاحقًا بالجائزة الكبرى للأفلام الروائية في مهرجان ومنتدى الفيلم الدولي لحقوق الإنسان في جنيف (FIFDH) في مارس 2026، وهي من أهم الجوائز الحديثة الموثقة في رحلة الفيلم الدولية.

وبالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه الرحلة أهمية إضافية لأن «ملكة القطن» لا ينتمي فقط إلى موجة الصعود اللافت للسينما السودانية، بل يرتبط أيضًا بمصر من ناحية التنفيذ والإتاحة للجمهور؛ إذ جرى تصويره في القاهرة ومحيطها بين 24 سبتمبر و27 أكتوبر 2024 بعد تعذر التصوير داخل السودان بسبب الحرب المستمرة منذ 2023، قبل أن ينطلق عرضه التجاري في دور السينما المصرية اعتبارًا من 6 مايو 2026.

عن ماذا يحكي الفيلم؟

تدور أحداث الفيلم داخل قرية سودانية تعتمد على زراعة القطن، حيث تكبر الفتاة نفيسة وسط حكايات البطولة والمقاومة التي ترويها لها جدتها «الست»، وهي الشخصية المحورية صاحبة النفوذ الرمزي داخل المجتمع المحلي. ومع وصول رجل أعمال شاب يحمل مشروعًا تنمويًا يعتمد على القطن المعدل وراثيًا، تبدأ موازين القرية في الاهتزاز، وتجد نفيسة نفسها في قلب مواجهة بين وعود التحديث من جهة، والحفاظ على الأرض والهوية والذاكرة الجماعية من جهة أخرى.

هذه الحبكة لا تتوقف عند الصدام بين القديم والجديد، بل تمتد إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بمكانة المرأة، والسلطة داخل العائلة، والاختيارات التي تُفرض على الفتيات في البيئات المحافظة. وتوضح مواد الفيلم التعريفية أن العنوان نفسه يستعيد تقليدًا استعماريًا قديمًا كان يمنح لقب «ملكة القطن» لفتاة مرتبطة بإنتاج القطن، قبل أن تعيد المخرجة توظيفه داخل سياق نقدي يربط بين الاستعمار والاقتصاد والجسد الأنثوي.

سوزانا ميرغني.. صوت سوداني يلفت الانتباه

تمثل سوزانا ميرغني الاسم الأبرز خلف هذا المشروع، وهو أول أفلامها الروائية الطويلة بعد مسار لافت في الأفلام القصيرة. وقد سبق أن عُرفت بفيلمها القصير «الست»، الذي نال جوائز دولية عدة، قبل أن تنتقل في «ملكة القطن» إلى مساحة أوسع تسمح لها بالاشتباك مع التاريخ السوداني والتحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة في آن واحد.

المخرجة، التي قُدم الفيلم باسمها في أسبوع النقاد بمهرجان فينيسيا 2025، اعتمدت على رؤية بصرية وشعرية واضحة، مدعومة بتصوير فريدا مرزوق وموسيقى أمين بوحافة، ما ساعد الفيلم على بناء شخصية فنية تميزه وسط أفلام المنطقة. ومن اللافت أيضًا أن العمل جاء ثمرة إنتاج مشترك بين السودان ومصر وعدة دول عربية وأوروبية، من بينها فلسطين وقطر والسعودية وفرنسا وألمانيا.

أبطال الفيلم وفريقه الفني

يضم الفيلم مجموعة من الوجوه المرتبطة بالسياق السوداني، وفي مقدمتهم مهاد مرتضى في دور نفيسة، ورابحة محمد محمود في دور «الست»، إلى جانب طلعت فريد وحرم بشير ومحمد موسى وحسن كسلا. أما على مستوى الصناعة، فتتولى سوزانا ميرغني الكتابة والإخراج، بينما جاءت الموسيقى بتوقيع أمين بوحافة، مع مونتاج لكل من أمبارو ميخياس وسيمون بلازي وفرانك مولر.

هذا التكوين الفني ساعد الفيلم على الجمع بين البعد المحلي شديد الخصوصية، والطابع الإنساني القادر على الوصول إلى جمهور واسع خارج السودان. وربما لهذا السبب حظي الفيلم باهتمام في مهرجانات تمتد من فينيسيا إلى تسالونيكي ثم جنيف، إضافة إلى ترشيحات ومشاركات أخرى في أمريكا الشمالية وأوروبا.

جوائز مؤكدة ومسار مهرجاني لافت

من خلال التحقق من قواعد بيانات الجوائز والمواقع الرسمية والمواد الصحفية الخاصة بالفيلم، يمكن رصد أبرز الإنجازات المؤكدة لـ«ملكة القطن» حتى الآن في النقاط التالية:

  • الكسندر الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان تسالونيكي السينمائي الدولي 2025.
  • جائزة أفضل موسيقى في مهرجان تسالونيكي للمؤلف أمين بوحافة عن الفيلم.
  • الجائزة الكبرى للأفلام الروائية في مهرجان ومنتدى الفيلم الدولي لحقوق الإنسان بجنيف 2026.
  • جائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية 2026.

كما تشير مواد تعريفية حديثة صادرة عن مهرجانات أخرى إلى أن الفيلم فاز أيضًا بجائزة الجمهور في مهرجان الدوحة السينمائي 2025، وبجائزة أفضل فيلم أول في أيام قرطاج السينمائية 2025، ما يعزز صورته كأحد أكثر الأفلام السودانية تداولًا ونجاحًا خلال العامين الأخيرين.

لماذا يهم الخبر جمهور مصر؟

في قسم «فن عربي»، لا يبدو هذا النجاح مجرد خبر مهرجاني عابر. فالفيلم يتصل مباشرة بالفضاء الثقافي الأفريقي والعربي الذي تنتمي إليه مصر، ويعكس في الوقت نفسه اتساع حضور السينما السودانية في المنطقة. كما أن تصوير العمل في مصر، ثم طرحه تجاريًا في دور العرض المصرية، يمنح الجمهور المحلي فرصة نادرة للاطلاع على تجربة سودانية حديثة تتعامل مع قضايا الأرض والذاكرة والمرأة والاقتصاد الريفي بلغة سينمائية معاصرة.

ومن زاوية أوسع، يأتي الاهتمام بـ«ملكة القطن» في لحظة تتزايد فيها متابعة الجمهور المصري للأفلام العربية والأفريقية التي تتجاوز القوالب التجارية المعتادة، وتذهب إلى موضوعات أكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي والسياسي في الإقليم. هنا تحديدًا يبرز الفيلم كحالة مهمة؛ ليس فقط بسبب الجوائز، بل لأنه يضع قرية سودانية صغيرة في قلب نقاش كبير عن الاستعمار، ورأس المال، والهوية، ومستقبل النساء.

ما التالي للفيلم؟

بعد هذا الرصيد من الجوائز والمشاركات، يبدو أن «ملكة القطن» مرشح لمزيد من الاهتمام النقدي والعرض في دوائر سينمائية عربية ودولية، خاصة مع استمرار الحديث عن نهضة السينما السودانية رغم الظروف الصعبة. وبالنسبة للمشاهد في مصر، فإن القيمة الحقيقية للفيلم لا تكمن فقط في عدد الجوائز التي جمعها، بل في كونه يقدم نافذة قريبة على مجتمع سوداني شديد الارتباط جغرافيًا وثقافيًا بمصر، لكنه لا يزال قليل الحضور على الشاشات التجارية العربية.

النتيجة أن «ملكة القطن» لم يعد مجرد عنوان عابر في نشرات المهرجانات، بل بات واحدًا من أبرز الأفلام العربية والأفريقية الحديثة التي تستحق المتابعة، سواء من جمهور السينما الجادة أو من المهتمين بتحولات الفن في السودان والمنطقة.