الفنانين الخمسه

من الشاشة إلى الذاكرة: كيف استعادت فلسطين صورتها سينمائيًا

من صورة يصنعها الآخر إلى سردية يكتبها أصحابها

على مدى عقود، ظهرت فلسطين في السينما العالمية غالبًا عبر وسيط خارجي: مخرج أجنبي، منظور إخباري، أو حبكة تضع الفلسطيني في الهامش لا في القلب. هكذا تشكلت صور نمطية تراوحت بين التبسيط السياسي والاختزال الإنساني، فيما بقيت التفاصيل اليومية، والوجوه، واللغة، والذاكرة، أقل حضورًا مما تستحق. لكن السنوات الأخيرة حملت تحولًا لافتًا؛ فبدل الاكتفاء بتمثيل الفلسطيني كرمز أو ضحية مجردة، بدأت أفلام عربية وفلسطينية ودولية جديدة تمنحه مساحة ليحكي بنفسه، بصوته، وبأدواته الفنية.

هذا التحول برز بوضوح في فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي أعاد إلى الشاشة واحدة من أكثر القصص إيلامًا في الحرب على غزة، ليس بمنطق اللقطة الصادمة فقط، بل بمنطق الذاكرة التي ترفض أن تُمحى. الفيلم عُرض ضمن المسابقة الرسمية في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي، التي أُقيمت بين 27 أغسطس و6 سبتمبر 2025، وحصد الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، بحسب الموقع الرسمي لـ«لا بينالي» في فينيسيا. كما تؤكد الصفحة الرسمية للفيلم أن مدته 90 دقيقة، وهو إنتاج تونسي فرنسي، من بطولة سجى الكيلاني، معتز ملحيس، كلارا خوري، وعامر حليحل، مع سيناريو وإخراج لكوثر بن هنية.

«صوت هند رجب».. حين تصبح المكالمة دراما كاملة

ما يمنح «صوت هند رجب» ثقله الفني والإنساني هو اختياره البناء على واقعة موثقة لا على استعارة فضفاضة. الفيلم يعود إلى 29 يناير 2024، يوم تلقت فرق الهلال الأحمر نداء استغاثة من طفلة صغيرة محاصرة داخل سيارة تحت النيران في غزة. بوابة الأهرام، في تغطيتها لعرض الفيلم بالقاهرة يوم 26 يونيو 2026 في سينما الهناجر بدار الأوبرا المصرية، أوضحت أن العمل يستند إلى مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب، ويستعيد مكالمة الاستغاثة التي حاول خلالها المتطوعون إبقاءها على الخط بينما كانت جهود الإنقاذ تتعثر تحت القصف.

الأهمية هنا ليست في إعادة تمثيل المأساة فحسب، بل في نقلها من أرشيف الأخبار إلى لغة السينما؛ أي من حدث يُستهلك سريعًا إلى تجربة بصرية ووجدانية قابلة للبقاء. وفي بيان المخرجة المنشور على صفحة الفيلم الرسمية في فينيسيا، شرحت كوثر بن هنية أنها فضّلت بناء فيلم يترك العنف خارج الكادر، ويركز على الانتظار والخوف والصمت الثقيل حين لا تصل النجدة. هذه المقاربة تجعل الفيلم أقرب إلى شهادة على الفشل الأخلاقي للعالم، لا مجرد عمل عن الحرب.

كوثر بن هنية وصعود السرد العربي إلى قلب المهرجانات

كوثر بن هنية لم تعد اسمًا هامشيًا في خريطة السينما الدولية، بل صارت من الأصوات العربية القادرة على الوصول إلى دوائر الجوائز الكبرى دون التنازل عن حساسية الموضوع. ومع «صوت هند رجب»، لا تقدم المخرجة التونسية حكاية سياسية مباشرة بقدر ما تقدم سؤالًا فنيًا وأخلاقيًا: ماذا تفعل السينما حين تصبح الذاكرة نفسها مهددة؟ لهذا بدا تتويج الفيلم في فينيسيا مهمًا عربيًا، ومفهومًا للمشاهد المصري تحديدًا الذي يتابع منذ سنوات كيف انتقلت أفلام المنطقة من خانة “الحضور الرمزي” إلى المنافسة الفعلية في أكبر المهرجانات.

ولم يتوقف زخم الفيلم عند فينيسيا؛ إذ تُظهر وثائق أكاديمية الأوسكار الخاصة بدورة 2026 أن «The Voice of Hind Rajab» حضر ضمن سباق أفضل فيلم دولي ممثلًا لتونس، ما عزز حضوره عالميًا وفتح النقاش مجددًا حول قدرة السينما العربية على انتزاع مساحة للرواية الفلسطينية داخل المؤسسات السينمائية الكبرى.

من مراثي الهزيمة إلى شخصيات من لحم ودم

في مراحل سابقة، وقعت معالجات عربية كثيرة للقضية الفلسطينية في فخ الخطابية أو الرثاء المستمر؛ كانت النية نبيلة غالبًا، لكن النتيجة لا تمنح الشخصية الفلسطينية تعقيدها الكامل. الفلسطيني ظهر أحيانًا كأيقونة للألم أكثر منه إنسانًا يعيش الحب والخسارة والخوف والسخرية والحياة اليومية. هذا ما تبدو السينما الجديدة أكثر وعيًا بتجاوزه: لم تعد الحكاية تدور فقط حول “قضية” بالمعنى المجرد، بل حول أفراد، وأصوات، وقرارات، ومشاهد منزلية، وعلاقات عائلية، وذكريات صغيرة تصنع المأساة الكبرى.

وهنا تكتسب قصة هند رجب رمزيتها الخاصة. الطفلة ليست شعارًا سياسيًا في الفيلم، بل نقطة ارتكاز لحكاية عن العجز العالمي، وعن اللحظة التي يتحول فيها صوت طفل يطلب النجدة إلى وثيقة في الضمير الإنساني. السينما، بهذا المعنى، لا تكرر الخبر؛ إنها تمنحه زمنًا أبطأ، وعمقًا أوسع، وقدرة على البقاء.

2025 أيضًا.. حضور فلسطيني لافت في كان

التحول لا يقتصر على فيلم واحد. ففي مهرجان كان السينمائي 2025، حقق الفيلم الفلسطيني «كان يا ما كان في غزة» للأخوين عرب وطرزان ناصر حضورًا قويًا، وفاز بجائزة أفضل إخراج في قسم «نظرة ما»، وفق الموقع الرسمي للمهرجان. أهمية هذا التتويج أنه يعكس اتساع المساحة المتاحة للسينما الفلسطينية، ليس فقط بوصفها سينما “قضية”، بل أيضًا كسينما تمتلك أسلوبًا ولغة وجرأة فنية.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه اللحظة مهمة لأن القاهرة لطالما كانت ساحة مركزية لاستقبال الثقافة العربية ومناقشتها. وعندما تستضيف مؤسسات مصرية عروضًا مثل عرض «صوت هند رجب» في دار الأوبرا، فإنها لا تقدم مجرد أمسية سينمائية، بل تشارك في تثبيت ذاكرة بصرية عربية في وجه النسيان.

لماذا يهم هذا التحول جمهور «الموسيقى والمشاهير»؟

قد يبدو الحديث عن فلسطين في السينما أقرب إلى الشأن الثقافي أو السياسي، لكنه يمس أيضًا عالم النجوم والصورة العامة وصناعة التأثير. فالمهرجانات الكبرى اليوم ليست مجرد سجاد أحمر ولقطات أناقة؛ إنها أيضًا منصات تصنع ما الذي يُرى وما الذي يُهمَل. وعندما يتصدر فيلم مثل «صوت هند رجب» واجهة فينيسيا، فإن ذلك يعيد تعريف النجومية نفسها: من يملك اليوم سلطة التأثير الحقيقي؟ النجم الذي يلفت الانتباه أم العمل الذي يغيّر زاوية النظر؟

كما أن صعود ممثلين مثل سجى الكيلاني وكلارا خوري وعامر حليحل في أعمال تتصل مباشرة بالذاكرة الفلسطينية، يمنح حضورهم قيمة تتجاوز الأداء الفردي إلى المشاركة في صياغة أرشيف شعوري لجمهور عربي واسع. هذه هي المنطقة التي يلتقي فيها الفن بالمشاهير: حين يصبح الوجه المعروف حاملًا لقصة أكبر من السوق وأبعد من الدعاية.

السينما كحفظ للذاكرة لا كتعويض عنها

لن تغيّر السينما الواقع وحدها، لكنها تستطيع أن تمنع تبديده داخل زحام الأخبار. وهذا تحديدًا ما يفسر الاهتمام العالمي المتزايد بأفلام تستعيد الحكاية الفلسطينية من الداخل. من صورة يكتبها الآخر، غالبًا ببرودة أو انحياز أو مسافة، إلى ذاكرة يرويها أصحابها بأسمائهم ولهجتهم ومخاوفهم، تبدو المسافة شاسعة. وداخل هذه المسافة، وُلدت أعمال قادرة على أن تعيش طويلًا.

في النهاية، لا يقدم «صوت هند رجب» وعدًا بالإنصاف، لكنه يحقق شيئًا لا يقل أهمية: يمنح الصوت الذي كاد يضيع فرصة أخرى ليُسمع. وفي زمن تتسارع فيه الصور حتى تفقد معناها، تبدو هذه المهمة، بالنسبة للسينما العربية والفلسطينية، واحدة من أكثر المهام إلحاحًا وجمالًا.

  • عرض عالمي بارز: الفيلم نافس في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2025.
  • جائزة كبرى: حصد «الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم» في فينيسيا.
  • مرجعية واقعية: تدور أحداثه حول نداء الاستغاثة المرتبط بالطفلة هند رجب في 29 يناير 2024.
  • حضور مصري: استضافت دار الأوبرا المصرية عرضًا للفيلم في يونيو 2026 ضمن نشاط جمعية الفيلم.
  • موجة أوسع: تزامن ذلك مع تتويج فلسطيني في كان 2025 عبر «كان يا ما كان في غزة» للأخوين ناصر.