ندوة عن «مسرح المجتمعات المحلية» في القومي للمسرح
المهرجان القومي للمسرح يفتح ملف مسرح المجتمعات المحلية
يواصل المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض (@mohamedreyad.official على إنستغرام)، تقديم برنامجه الفكري والفني في دورته التاسعة عشرة، عبر سلسلة من الندوات واللقاءات التي تسعى إلى مناقشة قضايا المسرح المصري من زوايا متعددة. وفي هذا السياق، شهدت فعاليات المهرجان ندوة بعنوان «مسرح المجتمعات المحلية» ضمن مسار «وصلة»، وهي ندوة ركزت على علاقة المسرح بالناس في القرى والمراكز والمحافظات، وكيف يمكن للفن أن يصبح أداة مشاركة وتعبير داخل البيئات المحلية.
وبحسب الموقع الرسمي للمهرجان، أُقيمت الندوة ضمن برنامج الدورة الـ19، التي انطلقت فعالياتها هذا العام وسط برنامج موسع يشمل عروضًا وندوات وورشًا فنية، بينما أكد محمد رياض في افتتاح الدورة أن المهرجان يستهدف دعم الأجيال الجديدة والاحتفاء بالمسرحيين وتوسيع مساحة الفعل الثقافي. كما أوضحت اللجنة العليا للدورة أن البرنامج لا يقتصر على العروض، بل يمتد إلى الأنشطة الفكرية والتدريبية المرتبطة بتطوير الحركة المسرحية في مصر.
من أدار الندوة ومن شارك فيها؟
أدار الندوة الشاعر والباحث الدكتور مسعود شومان، وشارك فيها كل من المخرج أحمد إسماعيل، والمخرج أسامة عبد الرؤوف، والفنان شنودة عادل. وناقش المشاركون مفهوم مسرح المجتمعات المحلية، وتجارب تطبيقه في الأقاليم المصرية، إلى جانب أثره في التنمية الثقافية، وتنشيط المشاركة المجتمعية، وفتح المجال أمام اكتشاف مواهب جديدة خارج المركز التقليدي للنشاط المسرحي في القاهرة.
وتكتسب هذه الندوة أهمية خاصة في توقيت يولي فيه المهرجان اهتمامًا واضحًا بملف المسرح في المحافظات، لا سيما مع اتساع أنشطته هذا العام وتقديم فعاليات مرتبطة بالمحور الفكري والورش، فضلًا عن وجود برنامج موازٍ في المنصورة ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة.
ما المقصود بمسرح المجتمعات المحلية؟
بحسب الطرح الذي قُدم خلال الندوة، فإن مسرح المجتمعات المحلية لا يقوم على فكرة تقديم عرض للجمهور فقط، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يجعل المجتمع نفسه طرفًا في عملية الإبداع. الفكرة الأساسية هنا أن أبناء المكان يشاركون في الحكاية، وفي بناء النص، وفي الأداء، أو على الأقل في تحديد القضايا التي يجب أن يتناولها العرض.
هذا التصور يقترب من مفهوم Community Theatre المعروف عالميًا، لكنه يكتسب في الحالة المصرية خصوصية مرتبطة بتنوع البيئات المحلية بين الريف والصعيد والمناطق الحدودية، وما تحمله من تراث وحكايات ولهجات وقضايا اجتماعية مختلفة. لذلك، يصبح المسرح في هذا السياق مساحة للحوار وحفظ الذاكرة المحلية، وليس مجرد نشاط ترفيهي عابر.
أحمد إسماعيل: الجمهور لا يُبنى في ليلة واحدة
خلال الندوة، استعاد المخرج أحمد إسماعيل تجربته مع العمل المسرحي في قريته شبرا بخوم، مشيرًا إلى أن علاقته بفكرة المسرح المجتمعي بدأت من سؤال بسيط: كيف يصل المسرح إلى الناس خارج العاصمة؟ ومن هنا جاءت محاولاته لتأسيس تجربة تنطلق من المجتمع نفسه، من خلال الهواة وأبناء القرية، لتتحول العروض مع الوقت إلى جزء من الحياة الثقافية المحلية.
وتبرز أهمية هذه الشهادة في أنها تضع يدها على واحدة من أقدم أزمات المسرح المصري، وهي استدامة الجمهور. فبناء جمهور حقيقي في المحافظات لا يعتمد على عرض واحد ناجح، بل على تراكم واستمرارية، وعلى وجود مؤسسات أو مبادرات قادرة على الحفاظ على الصلة بين الخشبة والناس.
أسامة عبد الرؤوف وتجارب المسرح في المحافظات
من جانبه، استعرض المخرج أسامة عبد الرؤوف تجربته مع «مسرح الجرن» في عدد من المحافظات، بينها كوم أمبو والوادي الجديد وقنا وشلاتين وقوص. ووفق ما طُرح في الندوة، فإن هذه التجارب لم تعتمد فقط على تقديم عروض جاهزة، بل على دراسة احتياجات كل مجتمع والعمل مع أبنائه لإنتاج عروض تعكس واقعهم اليومي وتطرح أسئلتهم الفعلية.
هذا النوع من المسرح، كما أوضح المشاركون، يتجاوز الفكرة التقليدية للفرجة، ليصبح أداة للتنمية الثقافية وتعزيز قيم الحوار والانتماء. كما أنه يفتح الباب أمام مشاركة الشباب والأطفال في عناصر متعددة من العمل المسرحي، من التصنيع والديكور إلى الأداء والكتابة، بما يجعل المسرح ممارسة اجتماعية كاملة.
شنودة عادل وتجربة مركز الصخرة الثقافي في المنيا
الجزء العملي الأكثر لفتًا في الندوة جاء مع استعراض الفنان شنودة عادل لتجربة مركز الصخرة الثقافي في قرية دير جبل الطير بمحافظة المنيا. ووفق العرض المقدم، بدأ المشروع عام 2016 بهدف توفير أنشطة ثقافية وفنية داخل القرى التي تفتقر إلى الخدمات الثقافية المنتظمة، عبر أنشطة مثل نادي السينما، ومسرح العرائس، والسينما المتنقلة، وورش صناعة الأفلام بالهاتف المحمول.
ومن بين التفاصيل اللافتة التي كُشف عنها خلال الندوة، نجاح الفريق بالتعاون مع أهالي القرية في تحويل مساحة كانت تُستخدم كمقلب قمامة إلى حديقة ثقافية تُقام فيها عروض وفعاليات للأطفال والشباب. وهي تجربة تعكس بوضوح كيف يمكن للفعل الثقافي المحلي أن يغير شكل المكان نفسه، لا أن يكتفي بإقامة فعالية عابرة داخله.
لماذا تبدو هذه الندوة مهمة في سياق الدورة 19؟
أهمية ندوة «مسرح المجتمعات المحلية» لا ترتبط فقط بعنوانها، بل بالسياق العام الذي تتحرك فيه الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري. فالمهرجان، بحسب ما أعلنه رسميًا، يضم هذا العام 34 عرضًا مسرحيًا في المسابقة الرسمية إلى جانب 3 عروض على الهامش، وهو ما يعكس حجمًا كبيرًا من النشاط المسرحي وتنوعًا في جهات الإنتاج والتجارب المشاركة.
كما أن البوستر الرسمي للدورة، الذي أطلقه المهرجان في يونيو 2026 بتوقيع الفنان هشام علي، جاء هو الآخر معبرًا عن فكرة ارتباط المسرح بالبيئة الشعبية المصرية وبالحياة اليومية للناس؛ وهي الفكرة نفسها التي تبدو حاضرة بقوة في ندوة تناقش المسرح المنبثق من المجتمع المحلي.
المجلس الأعلى للثقافة والمكان الدال
إقامة مثل هذه الندوة داخل المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية تعطيها دلالة إضافية، لأن المجلس يُعد من المؤسسات الثقافية الرسمية المعنية بصياغة السياسات الثقافية ودعم النقاشات الفكرية المرتبطة بالفنون في مصر. كما أن انعقادها في هذا الإطار يربط بين الممارسة الميدانية للمسرح في المحافظات وبين النقاش المؤسسي حول دوره في بناء الوعي وتعزيز المشاركة المجتمعية.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا المسار يعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل يظل المسرح حبيس العاصمة والنخبة، أم ينجح في الوصول إلى القرى والمدن البعيدة بوصفه جزءًا من الحياة اليومية؟ الندوة لم تقدم إجابة نهائية بالطبع، لكنها وضعت أمام جمهور المهرجان نماذج مصرية حقيقية تؤكد أن المسرح يمكنه أن يعيش خارج القاعات التقليدية، وأن يجد جمهوره في الساحات والمدارس ومراكز الشباب والجمعيات الأهلية.
المهرجان بين التوثيق والتأثير
على مدار دوراته المتعاقبة، سعى المهرجان القومي للمسرح المصري إلى رصد وتوثيق أبرز ما قُدم على الخشبة المصرية خلال العام، لكن الدورة الحالية تبدو مهتمة أيضًا بطرح أسئلة التأثير الاجتماعي والثقافي للمسرح، لا الاكتفاء بتقييم العروض من الناحية الفنية فقط. ومن هنا تبرز قيمة الندوات التي تناقش قضايا مثل المسرح المجتمعي، وجمهور الأقاليم، والهوية الثقافية المحلية.
في النهاية، تبدو ندوة «مسرح المجتمعات المحلية» واحدة من الفعاليات التي تمنح الدورة التاسعة عشرة عمقًا فكريًا يتجاوز البرنامج الاحتفالي. فهي لا تكتفي بالحديث عن المسرح كفن، بل تتعامل معه كوسيلة اتصال ومعرفة ومشاركة، وكأداة قادرة على إعادة اكتشاف الإنسان المصري داخل قريته ومدينته وبيئته الخاصة.
- رئيس المهرجان: الفنان محمد رياض
- اسم الندوة: مسرح المجتمعات المحلية
- المسار: وصلة
- المكان: المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية
- المشاركون: د. مسعود شومان، أحمد إسماعيل، أسامة عبد الرؤوف، شنودة عادل
- الدورة الحالية: الدورة التاسعة عشرة لعام 2026