الفنانين الخمسه

هل يحسم «المبلغ القطعي» أزمة حق الأداء العلني في مصر؟

أزمة حق الأداء العلني تعود إلى الواجهة في الوسط الفني المصري

عاد ملف حق الأداء العلني ليتصدر النقاش داخل صناعة السينما والدراما في مصر خلال صيف 2026، بعد تحركات برلمانية ومهنية أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية بين الفنانين والمنتجين. وبرز اسم الفنان ياسر جلال (@yassergalal على إنستغرام)، عضو مجلس الشيوخ، باعتباره من أبرز الوجوه التي دفعت الملف إلى ساحة النقاش العام، بعدما طرح مقترحًا يتعلق بتفعيل هذا الحق بوصفه من الحقوق المجاورة لحق المؤلف.

الجدل لم يتوقف عند المبدأ نفسه، لأن أغلب الأطراف تعلن أنها لا تنكر وجود الحق قانونيًا، لكنه انتقل سريعًا إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يُطبَّق؟ وهل يتم عبر تحصيلات مستمرة عند إعادة العرض على القنوات والمنصات، أم عبر تسويات تعاقدية مسبقة تضمن للمنتج استقرارًا ماليًا وتحفظ للفنانين حقوقهم؟ هنا ظهر مصطلح «المبلغ القطعي» كحل مطروح داخل السوق، لكنه لم ينجح حتى الآن في إغلاق باب الخلاف.

ما المقصود بحق الأداء العلني؟

بحسب الإطار القانوني المنظم في مصر، يستند النقاش إلى القانون رقم 82 لسنة 2002 الخاص بحماية حقوق الملكية الفكرية، وهو القانون الذي ينظم حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بما يشمل حقوق فناني الأداء. وتوضح النصوص القانونية المتداولة في الجدل الحالي أن هناك حقوقًا مالية يجوز تنظيمها تعاقديًا، وهو ما فتح الباب لتفسيرات مختلفة بين من يرى أحقية تقاضي مقابل عند كل عرض، ومن يرى جواز التنازل عن هذا الحق ضمن العقد الأصلي مقابل أجر محدد وواضح.

وفي المناقشات التي جرت مؤخرًا، جرى الاستناد كذلك إلى مواد قانونية مثل المواد 150 و156 و159، وهي مواد حضرت بوضوح في بيانات ومداخلات الأطراف المعنية، سواء من جانب النقابات أو المنتجين، باعتبارها أساسًا لتفسير طبيعة الحق المالي وحدود التصرف فيه.

كيف بدأت شرارة الأزمة الحالية؟

التصعيد الأخير ارتبط بمناقشات شهدها مجلس الشيوخ في مايو 2026، حين نوقش المقترح المقدم من ياسر جلال بشأن آلية تفعيل حق الأداء العلني. وبعد ذلك بأسابيع، خرجت تصريحات وبيانات من أطراف متعددة داخل الوسط الفني، بينها ممثلون للنقابات الفنية وغرفة صناعة السينما، ما نقل القضية من نطاقها القانوني المتخصص إلى ساحة الرأي العام الفني والإعلامي.

الفنان ياسر جلال قال في تصريحات صحفية إن مجلس الشيوخ أقر أحقية المؤلف ومن جاوره من فناني الأداء في هذا الحق، كما أوضح في تصريحات أخرى أن الأموال المقترحة لا تُدفع مباشرة إلى الأفراد بالطريقة المتصورة لدى البعض، بل تُحصَّل عبر آلية تنظيمية مخصصة ثم يعاد توزيعها على الجهات المستحقة. كما شدد على أن التحصيل، وفق الطرح الذي يدافع عنه، يكون من جهات العرض مثل القنوات والمنصات، لا من الفنانين أنفسهم.

غرفة صناعة السينما: لا عقود موحدة مفروضة على المنتجين

في المقابل، تبنت غرفة صناعة السينما برئاسة المنتج هشام عبد الخالق موقفًا واضحًا يرفض إلزام المنتجين بنماذج عقود موحدة. ووفق البيان الرسمي الصادر عن الغرفة في يوليو 2026، فإن القانون لم يفرض على المنتجين صيغة تعاقدية بعينها، كما لم يمنع الاتفاق على التنازل عن حق الأداء العلني باعتباره حقًا من حقوق الاستغلال المالي، وليس حقًا أدبيًا.

الغرفة ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أن من حق المنتج الاحتفاظ بكامل حقوق الاستغلال المالي للمصنف السينمائي أو التليفزيوني إذا تم الاتفاق على ذلك في العقد، وأن الأجور القطعية العادلة يمكن أن تكون المقابل المشروع لهذا التنازل. هذا هو جوهر فكرة «المبلغ القطعي» التي يراها بعض المنتجين حلًا عمليًا يضمن وضوح الالتزامات منذ بداية التعاقد، بدلًا من الدخول لاحقًا في مطالبات مالية متجددة مع كل إعادة عرض أو بيع للمنصات.

وفي اجتماع ناقش تبعات الملف، أشارت تقارير صحفية إلى حضور أكثر من 40 منتجًا إلى جانب ممثلين عن قنوات ومنصات، وهو ما يعكس حجم القلق داخل السوق من أي آلية قد تؤثر على تكلفة الإنتاج أو على تعاقدات البيع والتوزيع.

لماذا يتمسك المنتجون بفكرة «المبلغ القطعي»؟

من وجهة نظر المنتجين، فإن المسألة لا تتعلق برفض حقوق الفنانين، بقدر ما تتعلق بالقدرة على حساب التكلفة مسبقًا وإغلاق الالتزامات المالية بشكل نهائي داخل العقد. هذا مهم خصوصًا في سوق أصبحت فيه المنصات الرقمية، والقنوات الفضائية، وإعادة الاستغلال التجاري للأعمال عوامل أساسية في تمويل الإنتاج واسترداد تكلفته. أي غموض في توزيع الحقوق بعد التعاقد قد ينعكس، بحسبهم، على تسعير الأعمال وعلى فرص بيعها داخل مصر وخارجها.

هشام عبد الخالق صرح بأن تطبيق الحق بالصورة المطروحة قد يخلق، من وجهة نظره، ارتباكًا قانونيًا وتسويقيًا مع القنوات والمنصات العارضة. كما أشار أعضاء بالغرفة إلى أن الخلاف الحقيقي ليس على وجود الحق نفسه، بل على تعريف آلية «تفعيله» وحدود ما تم التنازل عنه بالفعل في العقود الموقعة.

هل ينجح الحل التعاقدي في تهدئة الأزمة؟

عمليًا، يبدو أن المبلغ القطعي قد يكون أقرب إلى تسوية سوقية منه إلى حل نهائي شامل. فهو يرضي المنتجين لأنه يمنحهم يقينًا ماليًا، وقد يقبل به بعض الفنانين والمؤلفين إذا كان المقابل مرتفعًا وعادلًا ومحددًا بوضوح. لكن المشكلة أن فريقًا آخر داخل الوسط يرى أن هذا المسار قد يفرغ حق الأداء العلني من مضمونه إذا تحول التنازل عنه إلى ممارسة شبه إلزامية يفرضها تفاوت القوة التفاوضية بين المنتج والفنان، خصوصًا على أصحاب الأدوار الصغيرة أو الوجوه الجديدة. وهذه قراءة تحليلية مستندة إلى طبيعة المواقف المعلنة، لا إلى نص رسمي واحد يحسم النزاع بالكامل.

في الوقت نفسه، ظهرت محاولات لخفض حدة الاستقطاب. فالمنتج والسيناريست محمد حفظي شدد على أن الأزمة لا ينبغي تصويرها كمعركة بين الفنانين والمنتجين، بل كملف تنظيمي يحتاج إلى صياغة متوازنة تحمي الصناعة وتحفظ الحقوق. كما نفى السيناريست أيمن سلامة وجود صدام بالمعنى الحاد، مؤكدًا أن حق الأداء العلني حق أصيل معروف دوليًا، بينما يبقى الخلاف في آليات التطبيق.

ماذا بعد؟

المشهد الحالي يوحي بأن الملف لم يصل بعد إلى تسوية نهائية. هناك اعتراف واسع بأن القضية حقيقية وليست هامشية، وأنها تمس بنية التعاقدات في الدراما والسينما المصرية. لكن ما يزال السؤال مفتوحًا حول الجهة أو الصيغة التي يمكنها الجمع بين عدالة المقابل للمبدع واستقرار نموذج الإنتاج. وبين هذين الاعتبارين، قد يتحول «المبلغ القطعي» إلى حل مرحلي في بعض العقود، لا إلى قاعدة عامة تحسم النزاع بالكامل.

وبالنسبة للمتابع المصري، فالقضية تتجاوز الخلاف المهني الضيق؛ لأنها ترتبط مباشرة بمستقبل صناعة تعتبر من أهم أدوات القوة الناعمة في مصر. وإذا لم تُحسم الآليات بوضوح، فقد يستمر الجدل مع كل موسم درامي جديد، ومع كل صفقة بيع لمنصة أو قناة، ومع كل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفنان، والنقابة، والمنتج، وجهة العرض.

  • الثابت حتى الآن: القانون حاضر، والحق محل اعتراف من حيث المبدأ لدى أطراف متعددة.
  • محور الخلاف: هل يكون المقابل مستمرًا مع كل عرض، أم يُحسم تعاقديًا بمبلغ قطعي؟
  • موقف المنتجين: رفض العقود الموحدة، والتمسك بحرية التعاقد.
  • موقف الداعمين للتفعيل: تنظيم التحصيل من جهات العرض بما يضمن حقوق المبدعين.

لهذا، فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كان حق الأداء العلني موجودًا أم لا، بل كيف ستتم صياغته في العقود المقبلة، ومن سيتحمل كلفته النهائية داخل سلسلة الإنتاج والعرض في مصر.