وليد خيري يكشف ملامح مسرحية «داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي»
مشروع مسرحي جديد يعيد داليدا إلى الواجهة من القاهرة
يتحرك مشروع «داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي» ليضع واحدة من أشهر الأسماء ذات الجذور المصرية في قلب المشهد المسرحي الغنائي من جديد، عبر تعاون مصري فرنسي أُعلن عنه في القاهرة خلال مؤتمر صحفي استضافته السفارة الفرنسية. ويأتي العمل بمشاركة الكاتب وليد خيري، وإخراج خيري بشارة، وبطولة السوبرانو المصرية الفرنسية فرح الديباني، في خطوة تفتح الباب أمام معالجة درامية جديدة لسيرة داليدا داخل إطار مسرحي معاصر.
الاهتمام بالمشروع لا يرتبط فقط باسم داليدا بوصفها نجمة عالمية، بل أيضًا بكونها ابنة القاهرة، إذ وُلدت باسم يولاندا كريستينا جيجليوتي في 17 يناير 1933 بشبرا، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أبرز أيقونات الغناء في فرنسا وأوروبا، ثم ترحل في 3 مايو 1987 بباريس. هذه الخلفية المزدوجة بين مصر وفرنسا تبدو محورًا أساسيًا في الرؤية التي يجري إعدادها للعرض.
ما الذي كُشف عنه حتى الآن؟
المعلومات المؤكدة حتى الآن تشير إلى أن المؤتمر الصحفي الخاص بالمشروع عُقد يوم الاثنين 20 يوليو 2026 في مقر السفارة الفرنسية بالقاهرة، بحضور السفير الفرنسي إيريك شوفالييه. كما أُعلن أن العرض يأتي ضمن تعاون ثقافي وفني مصري فرنسي، ويرتبط أيضًا بمبادرة Saison Méditerranée 2026، وهي مبادرة فرنسية ممتدة من 15 مايو إلى 31 أكتوبر 2026 لتعزيز الحوار الثقافي بين دول المتوسط.
وبحسب التفاصيل المتاحة، فإن المشروع يتعامل مع داليدا باعتبارها شخصية تتجاوز حدود السيرة التقليدية، إذ لا يقتصر على استعادة نجاحاتها الفنية، بل يذهب إلى الجانب الإنساني في حياتها، وهو ما ينسجم مع التصور الذي جرى الحديث عنه خلال المؤتمر.
وليد خيري وكتابة سيرة مليئة بالتناقضات
تصريح وليد خيري عن أن حياة داليدا تحمل صراعًا «ممتعًا وقاسيًا» في الوقت نفسه يلخص التحدي الدرامي الأساسي في هذا النوع من الأعمال. فسيرة داليدا لا تُختزل في شهرة الأغاني أو البريق فوق المسرح، بل تمتد إلى أسئلة الهوية والانتماء والنجاح والوحدة. وهذا ما يجعل تحويل قصتها إلى نص مسرحي مهمة تتطلب توازنًا بين الحقائق المعروفة وبين البناء الدرامي القادر على شد الجمهور.
من زاوية درامية، تبدو حياة داليدا مناسبة جدًا للمسرح الغنائي تحديدًا؛ لأنها جمعت بين التحول الشخصي والصعود الفني السريع والعلاقة المعقدة مع الشهرة. كما أن حضورها في الذاكرة المصرية ما زال قائمًا بوضوح، خصوصًا مع أغنيات مثل «حلوة يا بلدي» و«سالمة يا سلامة»، اللتين أبقيتا اسمها قريبًا من الجمهور العربي والمصري على وجه الخصوص.
خيري بشارة: مزج بين الخيال والواقع
المخرج خيري بشارة أوضح خلال المؤتمر أن العمل لن يقدم سردًا مباشرًا أو تقليديًا، بل يذهب إلى تجربة تمزج بين الخيال والواقع. كما لفت إلى وجود رابط شخصي يشعر به تجاه داليدا بحكم انتمائها إلى شبرا، وهو ما يمنحه مدخلًا وجدانيًا لفهم الشخصية بعيدًا عن القشرة اللامعة فقط.
الأهم في حديث بشارة أنه أشار إلى أن المسرحية ستركز على الجوانب الإنسانية في حياة الفنانة الراحلة، متوقعًا أن يخرج الجمهور من التجربة وهو متأثر بمفارقة أساسية: حياة مليئة بالنجاح والضوء، لكنها في الوقت نفسه شديدة القسوة على المستوى الشخصي. هذه الزاوية قد تكون عنصر التميز الحقيقي في العمل إذا نجح في تحويل السيرة المعروفة إلى تجربة شعورية على المسرح.
فرح الديباني في البطولة.. ولماذا يبدو الاختيار منطقيًا؟
اختيار فرح الديباني لبطولة المشروع يبدو منسجمًا مع طبيعة الشخصية نفسها. فالديباني تحدثت عن رغبتها في أن يكون العرض مشروعًا مصريًا فرنسيًا بالمعنى الكامل، مشيرة إلى أن هذا البعد يهمها شخصيًا، باعتبارها تحمل بدورها هويتين ثقافيتين، تمامًا كما ارتبط اسم داليدا بمصر وفرنسا معًا.
وكشفت الديباني أيضًا أن الموسيقار والموزع الفرنسي أندريه مانوكيان يشارك في الجانب الموسيقي، وأنه يعمل على إعادة تقديم أغاني داليدا بتوزيعات جديدة. كما أوضحت أن اختيار أبطال العرض يرتبط بقدرتهم على التحدث بالعربية والفرنسية، لأن المشروع مخطط له أن يُعرض في مصر وفرنسا، وهي نقطة مهمة تؤكد أن العمل لا يُبنى كسوق محلية فقط، بل كجسر فني بين جمهورين.
داليدا.. لماذا تعود الآن إلى المسرح؟
عودة داليدا إلى الواجهة في مشروع مسرحي جديد ليست مفاجئة. فهذه الشخصية تظل من أكثر الأسماء قابلية لإعادة القراءة في الدراما والسينما، بسبب تنوع طبقاتها: مطربة عالمية، ممثلة، امرأة ولدت في القاهرة لأسرة إيطالية، ثم صنعت مجدها الفني في فرنسا. والمثير أن قصتها لا تزال تحتفظ بقوة رمزية كبيرة في مصر، لأن انطلاقتها الأولى ارتبطت بحي شبرا، أحد أكثر الأحياء ثراءً في الذاكرة الثقافية القاهرية.
كما أن داليدا ليست مجرد اسم جماهيري في تاريخ الغناء الفرنسي؛ فموقعها الرسمي يشير إلى أنها باعت عشرات الملايين من التسجيلات حول العالم، وحققت حضورًا استثنائيًا على مسارح كبرى مثل الأولمبيا في باريس. لذلك فإن أي عمل يتناول سيرتها يملك مادة خصبة بصريًا وموسيقيًا ودراميًا.
ما الذي ينتظره الجمهور المصري من العرض؟
الجمهور في مصر عادة ما يتفاعل بقوة مع الأعمال التي تستعيد شخصيات فنية ذات جذور محلية، خاصة إذا جرى تقديمها بصياغة حديثة لا تعتمد على النوستالجيا وحدها. وفي حالة مسرحية داليدا، تبدو الرهانات أكبر، لأن المشروع يجمع بين:
- سيرة شخصية عالمية ذات أصل مصري واضح.
- فريق عمل معروف يضم وليد خيري وخيري بشارة وفرح الديباني.
- طابعًا غنائيًا بصريًا ينسجم مع طبيعة حياة داليدا وأغانيها.
- بعدًا ثقافيًا مصريًا فرنسيًا يمنح العرض فرصة للانتشار خارج حدود القاهرة.
وإذا نجح النص في تحويل التناقضات التي أشار إليها وليد خيري إلى مشاهد حية وشخصيات نابضة، فقد يصبح العمل من أبرز مشروعات المسرح الغنائي المرتقبة في الفترة المقبلة، خصوصًا مع الحضور الخاص الذي يحتفظ به اسم داليدا في الوجدان المصري.
بين السيرة الشخصية والفرجة المسرحية
التحدي الأكبر أمام «داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي» لن يكون في استدعاء اسم جماهيري معروف، بل في كيفية بناء عرض يوازن بين احترام الوقائع وبين تقديم فرجة مسرحية قادرة على الوصول إلى جمهور اليوم. فالمشاهد لا يبحث فقط عن معلومات يعرفها مسبقًا عن حياة داليدا، بل ينتظر عملًا يفسر لماذا بقيت هذه الفنانة حاضرة في الذاكرة حتى الآن.
من هنا، يبدو تصريح وليد خيري عن الصراع الممتع والقاسي في حياة داليدا مفتاحًا حقيقيًا لفهم المشروع. فحين تتحول السيرة إلى مواجهة بين المجد والألم، وبين الانتماء والاقتلاع، وبين الصورة العامة والحياة الخاصة، يصبح لدينا عمل درامي يملك ما هو أكثر من الحنين: يملك سؤالًا إنسانيًا معاصرًا. وهذا بالضبط ما قد يجعل المسرحية، إذا خرجت بالشكل المأمول، واحدة من أبرز عناوين قسم الدراما والسينما في مصر خلال الفترة المقبلة.